إلى الغرب من السؤدد إلا ما فضل عن الشرق؟ أو لبس إلا ما أعاره من الخليع (١) المبتذل، لما دخل عبد الرحمن الداخل (٢)، من بني مروان إلى جزيرة الأندلس، واجتمع إليه من شذاذ (ص ٨) القوم من نفضتهم مزاود المشارق، ولفظتهم أسرّة الملك، فحينئذ صار الناس بالغرب ناسا، وإلا فقد كانوا كالبهم السائمة، فمن ذلك الوقت تكلموا باللغة العربية، وامتازوا بالنطق على (٣) الحيوان، وكان ما أخلقه الشرق لهم جديدا.
(١) الخليع بوزن فعيل أي المخلوع. (٢) هو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، مؤسس الدولة الأموية في الأندلس، صفر قريش، أحد الأعلام ولد سنة (١١٣ هـ) ومات أبوه وهو صغير، ولما ظهرت الدولة العباسية، وقتل من بني أمية كثيرون، وتتبعوا بني أمية في كل مكان - استطاع عبد الرحمن أن يفر مع مولاه بدر إلى فلسطين، ثم الفرات فقطعه سباحة ولم يستطع أخواه الأصغران قطع الفرات وخدعا بأمان الجند العباسي اللاحقين بهم، فعادا إليهم فقتلاهما على مرأى من عبد الرحمن على الجانب الآخر من نهر الفرات، وتوارى في الغياض حتى انقطع الطلب عنه، ثم قصد المغرب .... ونزل (نفزاوة) قوم من البربر أم عبد الرحمن منهم، وكاتب من أفريقيا بعض الأمويين في الأندلس، فأرسلوا إليه مركبا فيه بعض وجهائهم، وأبلغوه طاعتهم وولاء من خلفهم له، وعادوا به إلى الأندلس سنة (١٣٨ هـ)، وانضم إليه كثيرون، وانتقل إلى إشبيلية، ثم إلى قرطبة فقاتله واليها لبني العباس يوسف بن عبد الرحمن الفهري، وانتصر عليه عبد الرحمن الداخل، وولي عبد الرحمن الداخل الأندلس واستقر في قرطبة، وبنى فيها قصره وبنى فيها مساجد الجماعات، ووافاه جماعته من أهل بيته من الشام، وكان يدعو للمنصور العباسي أولا، ولما اطمأن إليه أهل الأندلس، وقوي أمره قطع الخطبة لبني العباس، وأعلن إمارته المستقلة، كان شجاعا مقداما شاعرا كريما، يشبه بأبي جعفر المنصور في حزمه وشدته، وحسن ولايته، توفي في قرطبة سنة (١٧٢ هـ) وبقيت الخلافة في عقبه إلى سنة (٤٠٠ هـ) انظر الكامل في التاريخ ٥/ ٤٩٣ - ٤٩٦، وسير أعلام النبلاء ٨/ ٢٤٤ - ٢٥٣ ونفح الطيب ١/ ٣٢٧ وما بعدها. (٣) في الأصل بعد (على) إضافة (كثير) بخط مغاير.