للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقطوفها الدانية، أثار معدنها منه ذهبًا، وأطار زندها منه لهبًا، وقر حلمًا رجح، وأنبت شيعًا نجح، وكفل أبناء الأدب كفالة زكريا لمريم، وأقبل على هذا الطلب إقبال قيصر على جبلة بن الأيهم، وسمّي وسميًّا وَوَلْيًا، وعلا قدرًا وعز لإدريس إذ رفع مكانًا عليًا.

قال ابن بسام (١): «وبدانية قرأ، وبها نشأ، ومنها انبعث انبعاث السيل، وأدرك إدراك الليل، حتى تضاءلت الهضاب عن قدره، وماجت الأرض ببحره، وطفق يتردد على ملوك الطوائف بالأندلس تردد الكأس على الشَّرْب، ويجري في أهوائهم جري الماء في الغصن الرطب. وكان كلما قال قصيدة لا يضرب عليها حجابًا، ولا يضمنها كتابًا، حتى يأخذ بها مائة دينار. وقد سأله عباد أن يمدحه بقصيدة فعارض بها السينية التي مدح بها آل حمود، فقال له: إشارتي مفهومة، وبنات صدري كريمة، فمن أراد أن ينكح بكرها، فقد عَرَفَ مهرها.

وقد اخترتُ من أشعاره، ما يشهد بسمو مقداره، ويعرف عن غرائب أخباره».

ومما أنشده قوله (٢): [من المديد]

قُبْلَةٌ كانتْ على دَهَشٍ … أَذْهَبَتْ ما بي مِنَ العَطَشِ

ولها في القلبِ منزلةٌ … لو عَدَتْها النفسُ لمْ تَعِش

طرقتني والدُّجى لابس … خِلَعًا مِنْ جَلدة الحنش

وكأَنَّ النَّجْمَ حِينَ بَدَا … درهم في كفّ مُرْتَعِش

وقوله (٣): [من الكامل]

صفراء تُهدِيها بنان صورت … كهواك من عنم ومِنْ عُنَّابِ

أجني مراشفها العذاب وفي الحَشَا … حُرَقُ فأمزج رحمة بعذاب

وقوله (٤): [من الكامل]

وكأَنَّ نور الصبح راية فارس … حمراء يتبعها خَمِيسٌ أَشْهَبُ


= المعتضد بن عباد صاحب «إشبيلية»، عاش طويلًا، وبلغ الثمانين، وتوفى سنة ٤٧٠ هـ.
وابن اليمان شاعر مكثر مطيل، من فحول الشعراء، قال الشعر في جميع أغراضه، واشتهر بالمدح فقد شرط أن يأخذ في كل قصيدة مدح مائة دينار، وله وصف بارع للخمر وللطبيعة، وشعره الوجداني فيه عذوبة وحسن وجمال.
ترجمته في: البيان المغرب ١/ ٤٠٠، والحلة السيراء ٢/ ١٨٤، ونفح الطيب في صفحاته المختلفة (انظر: الفهرس)، والمطرب ص ١٢٠، الوافي بالوفيات ٨/ ٣٢٧، وجذوة المقتبس ص ١٦٠، والذخيرة ٣/ ٣٣٦ - ٣٦٠، وبغية الملتمس ص ٢٢٢ - رقم ٥٦٠.
(١) الذخيرة ٣/ ٣٣٦ - ٣٣٧.
(٢) القطعة في الذخيرة ٣/ ٣٣٧.
(٣) من قطعة قوامها ٣ أبيات في الذخيرة ٣/ ٣٣٩.
(٤) من قطعة قوامها ٨ أبيات في الذخيرة ٣/ ٣٤٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>