ومما أنشد له قوله، ومثله في الرشاقة والملاحة والإيجاز العجيب: [من الوافر]
رأيت الدار موحشةً رُباها … تَعَاوَرَها البكا حتى محاها
فكدتُ أشك فيها غير أني … شممت المسك ينفح من ثراها
فَوَا أَسَفِي على مَنْ بانَ عَنْها … وآها ثُمَّ آها ثم آها
ومن مليح تشبيهه قوله بين يدي نصير الدولة بديهة، وهم يشربون ليلًا على شاهقة، والعسكر في قرار الأرض، وقد أمره بصفة الحال: [من السريع]
بتنا بِدَيْرِ الرَّاحِ في شاهِقٍ … ليلًا على نَعْمَةِ عُوْدَيْنِ
والنار في الأرض التي دُونَنَا … مثلُ تُخُومِ الأَرضِ في العَيْنِ
فيالَهُ من منظرِ مُوْنِقٍ … كَأَنَّنا بينَ سَمَائِينِ
وقوله: [من المنسرح]
كأَنَّما الفحم والزناد وما … تفعله النار فيهما لَهَبا
شيخ منَ الزَّنْج شابَ مَفْرِقُهُ … عليهِ دِرْعٌ مَنْسُوجَةٌ ذَهَبًا
وقال يشبه شجر الخلاف: [من الطويل]
وحامل أوراقِ الخِلافِ كأَنَّها … سُجُوفُ لُجَيْنِ قَدْ بَدَا وَزَبَرْجَدُ
وإلا أكف البِيْضِ فَوْقَ بُطُونِها … سوى أظهر منها خضابٌ مُرَدَّدُ
وقوله في المشمش: [من البسيط]
ومشمش ما بدا يومًا لذي بَصَرٍ … إلاّ وسَبَّحَ بينَ العُجْبِ والعَجَبِ
كأَنَّ مَخْبَرَهُ وصفًا ومنظرَهُ … شَهْدٌ تَكَنَّفَهُ قِسْرٌ مِنَ الذهب
ومن تشبيهه أيضًا قوله: [من الكامل]
وكأَنَّما الصُّبحُ المُطِلُّ على الدُّجى … ونُجُومَهُ المتأخرات تُقَوَّضُ (١)
نهرُ تَعَرَّضَ في السَّماءِ وحَولَهُ … أَشجارُ وَرْدٍ قَدْ تَفَتَّحَ أَبْيَضُ (٢)
ومن مليح ابن حيان في المقطعات: [من الخفيف]
إِنَّ وَرْدًا ونَرْجِسًا في أَوَانٍ … خَبَّراني عَنْكَ الذي خَبَّرَاني
باحمرار في صَحْنِ خدَّكِ بادٍ … وومِيضٍ مِنْ طَرْفِكَ الوَسْنانِ
وقوله: [من الطويل]
وكم جَزْعِ وادٍ قَدْ جَزَعْنا وصَخْرَةٍ … بأمثالِها مِنْ خَيْلِنا فيهِ تُرْجَمُ
(١) في انموذج الزمان ٣١٩ «تقوضا».
(٢) في انموذج الزمان ٣١٩ «أبيضا».