للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مالك بنان يخلب بجوده، وملك بيان يغلب بحشوده. جاز النجم بعلومه وجدوده، وحاز العلم برسومه وحدوده. ذو حافظة لا يذهب ما ارتسم في مخيلتها، ولا ينسى ما أثبت في جميل جملتها. ما راض صعبًا فلج به جماح، ولا رام أمرًا فبعد به الطماح.

قال ابن رشيق (١): شاعر معروف، «أخذ بأطراف العلوم، وله من سرعة الحفظ ما ليس لأحد» من أهل الوقت.

وحكى عن نفسه أنه صنع أبياتًا أربعة، وصنع ابن شرف ستة، وصنع معد بن جبارة مثلهما، وأنشد كل منا ما قال بحضرته فحفظه.

ومما أنشد له قوله يصف القمر كالملغز به (٢): [من السريع]

دَع ذا وقُلْ للناس: ما طارق … يطرقُهُمْ جَهْرًا ولا يتقي

ليس لهُ رُوحٌ على أَنَّهُ … يركب ظَهْرَ الأَدْهَم الأَبْلَقِ

شيخ رأى آدم في عَصْرِهِ … وهوَ إلى الآنَ بِخَدٌ نَقِي

وهو بوسط السِّجْنِ مَعْ قَوْمِهِ … لا يَنْبَرِي عَنْ نَهْجِهِ الضيق

وتارة يؤخذ في مَغْرِبِ … وتارةً يُؤخذ في مَشْرِقِ

وتارةً تُبْصِرُه سائحًا … يسري بساط البحر كالزَّوْرَقِ

وتارة تلقاه في لُجَّةٍ … من فوقه الماء ولم يغرق

وتارة تحسبه وهو في … سترته والبعض منه نَقِي

ذُبابة من صارِمِ مُرْهَفٍ … بارزة منْ جَفْنِهِ المُطبَقِ

يدنو إلى عُرس لهُ حُسْنُها … يختطف الأبصارَ بالرَّوْنَقِ

حتى إذا جامعها يرتدي … بحُلَّةٍ سوداء كالمُحْرَقِ

وهو على عادته دائمًا … يُجامِعُ الأُنثى ولا يتقي

ثمَّ يجوبُ القَفْرَ مِنْ أَجْلِها … مُشتملًا في مُطْرَفٍ أَزْرَقِ

حتى إذا قابلَها بائنًا … تَشكُه بالرُّمح في المفرق

وبعد ذا تلبسه خِلعةٌ … يَا حُسْنَهُ في لونها المُونِقِ

فجسمُهُ من ذهب جامد … وجلده صيغ من الزئبق

ثمَّ تَرى في حين إتمامه … مثلَ مِجَنِّ الحَرْبِ للمُتَّقِي

وهو إذا أبصرتَهُ هكذا … أَمْلِحُ من صاحبة القرطق


(١) انموذج الزمان ٦٠.
(٢) من قصيدة قوامها ٢٨ بيتًا في انموذج الزمان ٦١ - ٦٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>