وكان ﵀ فيلسوفا كاملا، وإماما فاضلا، بحرا منه يغرف، وحبرا له يعرف، قد أتقن العلوم الرياضية، زكي النفس، قويّ الذكاء، متجنّبا عن الدنيا، مقتنعا منها بما يقوم به أوده (١)، ويسير سيرة الفلاسفة المتقدّمين، وكان له قوة في صناعة الطب، وعلم بالأمور الكلية منها، ولم يباشر أعمالها، ولا حاول جزئياتها.
قال ابن أبي أصيبعة: " وحدّثني سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي علي الآمدي (٢) - رحمه الله تعالى -: أن الفارابي كان في أول أمره ناطورا في بستان بدمشق، وهو على ذلك دائم الاشتغال بالحكمة والنظر فيها، والتطلع إلى آراء المتقدمين وشرح معانيها، وكان ضعيف الحال، حتى إنه كان في الليل يسهر بالمطالعة والتصنيف، ويستضيء بالقنديل الذي للحارس، وبقي كذلك مدة.
ثم إنه عظم شأنه، وظهر فضله، واشتهرت تصانيفه، وكثرت تلاميذه، وصار أوحد زمانه، وعلاّمة وقته. واجتمع به الأمير سيف الدولة أبو الحسن علي بن
(١): أي: بما يقيم صلبه، ويحفظ قوته "القاموس مادة أيد". (٢): أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد الحنبلي ثم الشافعي المتكلم، العلاّمة، صاحب التصانيف العقلية. ولد بعد الخمسين وخمسمائة بآمد، وقرأ القراءات والفقه، ودرس على ابن المنّي، وسمع من ابن شاتيل، ثم تفقه للشافعي علي بن فضلان، وبرع في الخلاف، وتفنن في علم النظر، والكلام، والحكمة، وكان ذكيا من أذكياء العالم، أقرأ بمصر مدة فنسبوه إلى دين الأوائل، ووضعوا خطوطهم بما يستباح به الدم، فخرج مستخفيا إلى الشام، فنزل حماة وصنف في الأصلين والحكمة والمنطق، ثم اعتزل في بيته إلى وفاته سنة ٦٣١ من الهجرة. انظر ترجمته في: "وفيات الأعيان ٣/ ٢٩٣، وطبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٠، وطبقات الأسنوي ١/ ١٣٧، والنجوم الزاهرة ٦/ ٢٨٥، وشذرات الذهب ٧/ ٢٥٣.