للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وسلكت مثل النحل سبلها ذللا بعباراته، وعلمت أنه فيلسوف الإسلام، والمسلّم إليه في كل علم بسلام، والمقدم في سائر الطبقات، والمعظّم على الأوقات، والمحرّم من العلم المحرم إليه في الميقات.

كان ندرة في العالم، وزهرة في بني آدم، والمفاض عليه من العلوم ما تزجر بحاره، ولا يزخر إلا لج فوائد فرائده، وصدره محاره، منبع العلم، وموضع الحلم، ومرتع الفضائل، ومربع الكرم، ووسمي (١) الربيع متضائل، أعجوبة الزمان وغريبة آل سامان (٢).

فخرت دولة ما وراء النهر منه بوزير شرف دستها (٣)، وصرف بجمعه لجهات


= كونه أكثر حيوية وأصلح للتطبيق من كتاب القانون إلا أن هذا الكتاب الأخير قد طغى على كل الكتب المتداولة آنذاك. وصار المرجع الأول للممارسين في أكثر الربوع التي وصلها الكتاب. بدأ ابن سينا بتحرير كتاب القانون في جرجان، وكتب قسما منه في الري، واستمر يكتب فيه وهو يتنقل بين المدن وأخيرا أتمه في همدان. إلا أن انتشاره بين الأقطار للغرابة كان بطيئا، فلم يصل إلى بغداد إلا بعد مرور نصف قرن، ولم يصل إلى قرطبة إلا بعد نصف قرن آخر، أو أكثر قليلا، ووصل من هناك إلى أوربا وصار أشهر كتب الطب العربية في مدارسها الطبية.
وقد تناول الأطباء العرب كتاب القانون بالمدح، وبعضهم بالقدح، وعلق عليه كثير منهم، وكان أشد اهتمامهم بقسم الكليات منه الذي رأوه أصعب على الفهم مما في الكتاب من علوم وفنون، كما اختصره آخرون ليكون أسهل قراءة وأخف حملا. انظر: مختصر تاريخ الطب العربي ١/ ٤٩٣ - ٤٩٥.
(١): قال في القاموس: " الوسمي "مطر الربيع الأول، والأرض موسومة. - مادة وسم.
(٢): سامان: محلة بأصبهان، وقرية بسمرقند، إليها ينسب ملوك بني سامان الذين ملكوا ما وراء النهر وخراسان، يقولون سامان اسم جدّ من أجدادهم. قاله المحبي في قصد السبيل ٢/ ١١١.
(٣): قال المحبي: " الدست الصحراء، معرّب "دشت" ومن الثياب والورق، وصدر البيت، قال ابن الكمال: هو فارسي معرّب معنى اليد، يطلق على التمكن في المناصب، قال الشهاب - في شفاء الغليل ١٢٢ - ١٢٤ ": واستعمله المتأخرون بمعنى الديوان، ومجلس الوزارة، والرياسة مستعارة من هذا.
انظر: قصد السبيل للمحبي ٢/ ٢٦ - ٢٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>