على هذا زمان، وتاج الملك في أثناء هذا يمنّيه بمواعيد جميلة.
ثم عنّ للشيخ التوجه إلى أصفهان (١)، فخرج متنكرا، وأنا وأخوه غلامان له في زي الصوفية، إلى أن وصلنا طبران (٢)، على باب أصفهان، بعد أن قاسينا شدائد في الطريق، فاستقبلنا أصدقاء الشيخ، وندماء الأمير علاء الدولة، وخواصه، وحمل إليه الثياب والمراكب الخاصة، وأنزل في محلة يقال لها كون كبير. في دار عبد الله بن بابي، وفيها من الآلات والفرش ما يحتاج إليه، وحضر مجلس علاء الدولة فصادف من منزلة الإكرام والإعزاز اللذين يستحقه مثله (٣).
ثم رسم الأمير علاء الدولة ليأتي الجماعات مجلس النظر بين يديه، بحضرة سائر العلماء على اختلاف طبقاتهم، والشيخ في جملتهم، فما كان يطاق في شيء من العلوم.
واشتغل بأصفهان بتتميم كتاب:" الشفاء "، ففرغ من المنطق، والمجسطي، وكان قد اختصر أوقليدس، والأرثماطيقي، والموسيقى، وأورد في كل كتاب من الرياضات زيادات رأى أن الحاجة إليها داعية.
أما في" المجسطي ": فأورد عشرة أشكال في اختلاف القطر (٤)، وأورد في
(١): أصبهان، أو أصفهان: منهم من يفتح همزتها، وهم الأكثر، وكسرها آخرون، منهم السمعاني، وأبو عبيد البكري الأندلسي، وهي مدينة عظيمة مشهورة، من أعلام المدن وأعيانها، وقد يطلق اسمها على الإقليم بأسره، وأصبهان من نواحي الجبل، فتحها عبد الله بن عبد الله بن عتبان، صلحا، في خلافة سيدنا عمر ﵁، سنة تسع عشرة من الهجرة المصطفوية على صاحبها ألف ألف سلام وأزكى تحية. انظر: معجم البلدان ١/ ٢٩٢ - ٢٩٨. (٢): طبران: بالتحريك، وآخره نون، بلفظ تثنية طبر، وهي فارسية، والطبر: هو الذي يشقق به الأحطاب، وما شاكله بلغة الفرس، وهي مدينة في تخوم قومس. انظر: معجم البلدان لياقوت ٤/ ١٣. (٣): انظر: عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة ٤٤٢. (٤): في الأصل المخطوط: " المنظر ".