وجادت له السحب الرواء دفاقا، فطنّبت شمسه على السماء رواقا، وتطلّبت فواضله للنفاق أشواقا، ثم حلّ لدن المعظم شرف الدين عيسى فحل بيت شرفه، وحلّ مكانا في مقاعد غرفه، ثم لم يتحوّل من أفقه، ولا أضاء له ضوء نهار إلا بين أصيله وشفقه.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان أوحد زمانه في العلوم الحكمية، وعلاّمة وقته في الأمور الشرعية. عارفا بأصول الطب وغيره، حسن الصورة، كريم النفس، كثير الحياء، محبّا لفعل الخير، ملازما للصلاة والصيام، وقراءة القرآن.
اتصل بالملك المعظّم عيسى (١)، فعرف فضله، وقرّر له الراتب، وقرأ عليه الطلبة، وانتفعوا به، وكان حسن العبارة، قويّ البراعة، فصيح اللسان، بليغ البيان، وافر المروءة، ظاهر الفتوة. أخذ عن القطب المصري (٢)، وأخذ المصري عن الإمام الرازي. ثم ولاّه المعظّم قضاء الشام. وكان عظيم التواضع، لطيف الكلام، يمشي إلى الجامع الأموي لأداء فرائض الصلوات في أوقاتها، ولم يزل على هذا حتى توفي في سنّ الشباب (٣)، في سابع شعبان سنة تسع وثلاثين وستمائة.
(١): الملك المعظّم سلطان الشام، شرف الدين عيسى بن العادل الحنفي الفقيه الأديب. ولد بالقاهرة سنة ست وسبعين وخمسمائة، وحفظ القرآن، وبرع في الفقه، وشرح الجامع الكبير في عدة مجلّدات، بإعانة غيره، وسمع المسند كله للإمام أحمد، وله شعر كثير، وكان عديم الالتفات إلى النواميس وأبّهة الملوك، وكان من النجباء الأذكياء. توفي يوم الجمعة مستهل ذي الحجة بدمشق سنة أربع وعشرين وستمائة من الهجرة، ودفن في قلعة دمشق. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان لابن خلّكان ٣/ ٤٩٤ - ٤٩٦، والعبر ١٠٠/ ٥، وتاريخ الإسلام ٦٣/ ١٨٥ - ١٨٩، والبداية والنهاية ١٣/ ١٢١، وشذرات الذهب ٧/ ٢٠١ - ٢٠٣. (٢): مرت ترجمته أول الكتاب. (٣): كذا في الأصل المخطوط، وقال ابن أبي أصيبعة: " توفي بحمّى الدق المعروفة بالسخونة العالية، وذلك بدمشق في سابع شهر شعبان، سنة سبع وثلاثين وستمائة ". انظر: عيون الأنباء ٦٤٦ - ٦٤٧.