فلما توفي أتى الملك المعظم عيسى (١) فبالغ في الإنعام عليه وإكرامه، وولاه التدريس.
وكانت الناس تتعجب له في المناظرة والبحث، وقلّ أن كان يشتغل في العلوم الحكمية، وتشفّع العماد السلماسي بابن بصاقة (٢) ليقرئه، فكتب إليه:[البسيط]
يا سيدا جمّل الله الزمان به … وأهله من جميع العجم والعرب
العبد يذكر مولاه بما سبقت … وعوده لعماد الدين عن كثب
ومثل مولاي من جاءت مواهبه … من غير وعد وجدواه بلا طلب
فأصف من بحرك الفيّاض مورده … وأغنه من كنوز العلم، لا الذهب!
واجعل له نسبا يدلي إليك به … فلحمة العلم تعلو لحمة (٣) النسب
ولا تكله إلى كتب تنبئه … ف: " السيف أصدق أنباء من الكتب (٤)
(١): الملك المعظم عيسى بن محمد الملك العادل، بن أبي بكر بن ايوب، شرف الدين الأيوبي، سلطان الشام، من علماء الملوك. كان وافر الحرمة، فارسا شجاعا، كثيرا ما يركب وحده لقتال الفرنج ثم تلاحق به المماليك والجنود، وكان لا يركب بالمواكب السلطانية، ازدراء لها. وكان عالما بفقه الحنفية والعربية، جعل لكل من يحفظ المفصل للزمخشري مائة دينار وخلعة، فحفظه جماعة، وصنف كتابا في الرد على ما جاء في تاريخ بغداد للخطيب. من التعرض لأبي حنيفة سماه: "السهم المصيب في الرد على الخطيب" وخلف آثارا منها المدرسة المعظمية في صالحية دمشق، مولده بالقاهرة سنة ٥٧٦ هجرية، ومنشؤه بدمشق وبها توفي سنة ٦٢٤ هجرية. انظر ترجمته في: مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي ٨/ ٦٤٤ - ٦٥٢، ووفيات الأعيان لابن خلكان ١/ ٣٩٦، والأعلام للزركلي ٥/ ١٠٧ - ١٠٨. (٢): فخر القضاة نصر الله بن هبة الله بن بصاقة الحنفي الكاتب. المتوفى سنة خمسين وستمائة هجرية. انظر ترجمته في: الجواهر المضية ٢/ ١٩٩، وشذرات الذهب ٧/ ٤٣٥، والأعلام للزركلي ٨/ ٣١ (٣): اللّحمة: بضم اللام وسكون الحاء: القرابة، وما سدي به بن سدى الثوب. القاموس مادة لحم. (٤): إشارة إلى قول أبي تمام في بيته المشهور: السيف أصدق أنباء من الكتب … في حده الحد بين الجد واللعب