سقى قبره الوضّاح مثل بنانه … سكوب الغوادي لا تغيب هتونه (١)
يضاحكه بالسفح بارق ليله … تغازله تحت الظلام جفونه
فهل بعد هذا اليوم يدّخر الفتى … بكاء عزيزا عنده لا يهينه
أرى الخطباء اليوم بعدك ألبسوا … حدادا عليهم في الملابس جونه (٢)
أرى منصب الحكم العزيز تضاءلت … معاليه وارفضّت عليك متونه
أرى المنبر العالي استكنّ لما به … وكان به فوق السّها (٣) مستكينه
أرى قلم الإفتاء قد فات وقته … وكان نظير الغصن تجبى فنونه
أرى منطق التدريس أخرس نطقه … وأصبح إن قال، النهى (٤) لا تبينه
أرى مجلس التصدير أقوت رحابه … ولم يرض إيداع الصدور حنينه
لقد أغلق التصنيف أبواب كتبه … وأغفت لأحداث الزمان عيونه
فمن للمرجّي خاب ما كان يرتجي … ومات أريحي كريم يعينه
لعمرك ما يجدي الحنين على امرئ … تحطّ بأكناف القبور ظعونه
تمهّل به يا حامل النعش إنه … يقطّع أصلاب الرجال شطونه (٥)
وهل يعلم الآتي إلى لحده به … بأن الهلال المستنير دفينه
لقد عطّل الدست الرحيب إمامه … وفارقه مأمونه وأمينه
ووالله إن الموت أكرم نازل … بحرّ ولا يقضي عليه غبونه
فهل ساكن في الدهر ليس يسوؤه … ومستأمن للدّهر ليس يخونه
(١): الهتون: السحاب الماطر.
(٢): الجون: في الأصل النبات يضرب إلى السّواد من خضرته، والأحمر، والأبيض، والأسود.
(٣): السّها: كوكب خفيّ من بنات نعش الصغرى.
(٤): النّهى: أي العقول.
(٥): شطونه: أي بعد مراميه، وصعوبة الوصول إليه، من قولهم: "بئر شطون: أي بعيدة القعر".