وأمير المؤمنين واصل إلينا مكرا بهم، لميله إلى الطالبيين.
وأما أبو مسلم (١)، فإنه بعث أبا النجم إلى الكوفة ليتعرف له خبر السفاح، فأتاها، وأتى أبا سلمة عنه فأنكره ليدير في صرف الأمر إلى عبد الله بن الحسن بن الحسن، فتوسل أبو النجم ابن السفاح وأعلمه أن أبا محمد مسلم كتب إلى قحطبة أن يسير إلى الكوفة ويسأل عن الصغير من ولد الإمام محمد الذي اسمه عبد الله وكنيته أبو العباس، فإذا وجده يبايع له بالخلافة، فهو الإمام، أحب أبو مسلم أو كره [ص ٩٧] فجهزه السفاح إلى ابن قحطبة، فسارع في خمسة آلاف، فدخل الكوفة ليلا، وأتى الدار فقال: أيكم أبو العباس، فقالوا:
كلنا أبو العباس، وكان كل منهم طامع فيها لنفسه، فقال: أيكم (٢) بنو محمد بن علي، فيئس منها جميعهم وطمع فيها بنوه الثلاثة: السفاح والمنصور
(١) أبو مسلم الخراساني: عبد الرحمن بن مسلم، مؤسس الدولة العباسية، وأحد كبار القادة، ولد في ماه البصرة (مما يلي أصبهان) عند عيسى ومعقل ابني إدريس العجلي، فربياه إلى أن شبّ، فاتصل بإبراهيم بن الإمام محمد العباسي، فأرسله إبراهيم إلى خراسان داعية، فأقام فيها واستمال أهلها، ووثب علي ابن الكرماني (والي نيسابور) فقتله واستولى على نيسابور، وسلّم عليه بإمرتها، فخطب باسم السفاح العباسي (عبد الله بن محمد) ثم سيّر جيشا لمقاتلة مروان بن محمد (آخر الخلفاء الأمويين) فقاتله بالزاب (بين الموصل وإربل) وانهزمت جنود مروان إلى الشام، وفرّ مروان إلى مصر وقتل في بوصير، وزالت الدولة الأموية سنة ١٣٢ هـ، وصفا الجو للسفاح إلى أن مات، وخلفه المنصور، فرأى المنصور من أبي مسلم ما أخافه أن يطمع بالملك، وكانت بينهما ضغينة، فقتله برومة المدائن، عاش أبو مسلم سبعا وثلاثين سنة، بلغ بها منزلة عظماء العالم، كان فصيحا بالعربية والفارسية مقداما داهية حازما، راوية للشعر يقوله، وكان قصير القامة أسمر اللون رقيق البشرة حلو المنظر، طويل الظهر قصير الساق، لم ير ضاحكا ولا عبوسا، قاسي القلب سوطه سيفه، توفي سنة ١٣٧ هـ. (ابن الأثير ٥/ ١٧٥، الطبري ٩/ ١٥٩، ابن خلكان ١/ ٢٨٠، البدء والتاريخ ٦/ ٧٨ - ٩٥، المعارف لابن قتيبة ص ١٨٥، الذريعة ١/ ٣١٨، تاريخ بغداد ١٠/ ٢٠٧، لسان الميزان ٣/ ٤٣٦، ميزان الاعتدال ٢/ ١١٧) (٢) في الأصل: فقالوا إنكم، من وهم الناسخ.