أبي منصور الفضل (١) بن أحمد المستظهر، وكان مع الملوك كشأن الخلفاء قبله، وعلى ما كان عليه من كان مثله، وكان الغالب عليه جمال الدولة سنجر عليه من يحجب ويحجز، والمسترشد يظهر إعراضا في ابتغاء، ويسر حسوا في ارتغاء (٢)، كأنه زند النار، ظاهره حجر، وباطنه أوار، وبقي يتربص بسنجر الدوائر، ويوقد له النوائر، وسنجر لا يقع في حبالته، ولا يلين له جانب حالته، إلى أن قدر لسنجر أجل أجله وأتيح، وألقي في مرط أمله وأطيح، فخفّ عن صدر المسترشد ثقل ذلك الطود، وأمن تحطم ذلك العود، وقام نور الدولة مسعود بن سنجر، ولم يكن المسترشد ممن يتقيه ولا يخافه، ويجد في توقيه، فطمح إلى الوقوف على أمر مملكته، وعمل على موت مسعود وهلكته، ليخلو له الجو، ويتبع الأسد الذاهب بالبو (٣)
قال الشريف الغرناطي: فصنع المسترشد دعوة عظيمة لنور الدولة مسعود بن
(١) المسترشد بالله: الفضل بن أحمد المستظهر بالله ابن المقتدي، أبو منصور، بويع بالخلافة بعد وفاة أبيه سنة ٥١٢ هـ، كان عالي الهمة شجاعا فصيحا بليغ التوقيعات، له شعر جيد، حدثت في أواخر أيامه فتنة قام بها أمير أمرائه السلطان مسعود بن ملكشاه السلجوقي، فجرد المسترشد جيشا لقتاله، ودس له السلطان محمود جمعا من رجاله أظهروا الطاعة، حتى إذا نشبت الحرب انقلبوا عليه، وانهزم عسكره، وثبت وحده في مقره، فاعتقله السلطان مسعود، وأخذه معه يريد دخول بغداد، فلما كانوا على باب مراغة دخل عليه جمع من الباطنية أرسلهم السلطان سنجر السلجوقي لقتله، فقتلوه، ومثلوا به، ودفن في مراغة سنة ٥٢٩ هـ. (ابن الأثير ١٠/ ١٨٩ و ١١/ ١٠، تاريخ الخميس ٢/ ٣٦١، فوات الوفيات ٢/ ١٢٤، مفرج الكروب ١/ ٥٠، تواريخ أل سلجوق ص ١٧٨، مرآة الزمان ٨/ ١٥٦، النبراس ص ١٤٥) (٢) هذا مثل: يسر حسوا في ارتغاء، أي: يظهر أمرا ويريد غيره. الميداني ٢/ ٤١٧، المستقصى ٢/ ٤١٢، اللسان: (رغا) (٣) البو: ولد الناقة، وجلد الحوار يحشى تبنا ويقرب من أمه لتدر عليه.