أبي العباس محمد (١) بن جعفر المقتدر، وكان مطاعا صؤولا، قطاعا وصولا، وهو آخر من جمع من الخلفاء شعره في ديوان، وجلس لهم جلوسا عاما في إيوان، وقام خطيبا على المنبر، وفعل أفعال من برّ، وحاضر الندماء، وسامره منهم كواكب ثقلها الأرض لا السماء، وكان يتحرى عوائد سلفه في ترتيب الخلائف، وتبويب الوظائف، وكان عارفا بلغة العرب، عاكفا على ما لا حرج فيه من الأرب، مولعا بالأدب، ولوع القشيري (٢) بريّا، والمغيري (٣) بالثريا، وجميل بن معمر ببثينة، ومصعب بن الزبير بسكينة (٤) وله فيه تفنن ينسي به حبيب، وينسج نظرته ما ذكر عن عريب، مما لو يوصف بأكثر منه علي بن جريج، ولا صنف في أحسن منه إسماعيل بن سريج، وكان جوادا طلق اليمين، يهب الآلاف الذهب لا المئين، مع ما أوتي من خلق وصبى، وخلق رضى، وكان الراضي لا يرى بسخط أحد ساخطا [ص ١٦٦]، ولا لضغن بين
(١) الراضي بالله: محمد بن جعفر المقتدر بن أحمد المعتضد بالله، أبو العباس، خليفة عباسي، كانت أيام سلفيه (القاهر والمقتدر) أيام ضعف، امتنع فيها أمراء البلاد من الطاعة، واستقل كثير من الولاة بما كانوا يلون، ولما ولي الراضي سنة ٣٢٢ هـ حاول إصلاح الأمر فأعجزه فاستقدم محمد بن رائق عامله على واسط والبصرة والأهواز، وقلده إمارة الجيش وجعله أمير الأمراء، وتفاقم أمر العمال في الأطراف فلم يبق اسم للخليفة في غير بغداد، وكان آخر خليفة له رسوم الخلافة وتدبير الجيوش والأموال، كانت خلافته ست سنين وعشرة أشهر، توفي في بغداد سنة ٣٢٩ هـ. (تاريخ بغداد ٢/ ١٤٢، ابن الأثير ٦/ ٢٣٦ - ٢٧٦، البداية والنهاية ١١/ ١٩٦، فوات الوفيات ٢/ ١٨٥، مروج الذهب ٢/ ٤٠٤ - ٤١٢، أخبار الراضي والمتقي ١ - ١٨٥ النبراس ص ١١٤) (٢) في الأصل المطيري، وهو تحريف، والقشيري: هو الصمة بن عبد الله القشيري، وحبيبته ريا، ومطلع قصيدته الحماسية: حننت إلى ريا ونفسك باعدت … مزارك من ريا وشعباكما معا (٣) هو عمر بن أبي ربيعة. (٤) هي سكينة بنت الحسين وكانت زوجته.