فأجده قائما في مكانه يصلي، فوالله ما زال هكذا حتى أصبح.
قال عبد الله بن إبراهيم الإسكافي: حبس المهتدي للمظالم، فاستعداه رجل على ابن له، فأمر بإحضاره، فأحضر، وأقامه إلى جانب خصمه ليحكم بينهما، فقال الرجل للمهتدي: والله ما أنت إلا كما قال القائل: [السريع]
حكمتموه فقضى بينكم … أبلج مثل القمر الزاهر
لا يقبل الرشوة في حكمه … ولا يبالي عنت الخاسر [ص ١٥٤]
فقال له المهتدي: أما أنت أيها الرجل، فأحسن الله مقالتك، وأما أنا فما جلست حتى قرأت: ﴿وَنَضَعُ اَلْمَوازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيامَةِ﴾ (١)، قال: فما رأيت باكيا أكثر من ذلك اليوم، وكان يقول: ألا يستحي بنو العباس أن [لا] يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز، ولما ولي اطرح الملاهي وحرّم الغناء والشراب، ومنع أصحاب السلطان عن الظلم، ﵀.
ثم:
٦٩ - دولة المعتمد على اللّه
أبي العباس أحمد (٢) بن جعفر المتوكل، وكان أخوه
(١) الأنبياء ٤٧. (٢) المعتمد على الله: أحمد بن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم، أبو العباس، خليفة عباسي، ولد بسامراء، وولي الخلافة سنة ٢٥٦ هـ بعد مقتل المهتدي بالله بيومين، وطالت أيام ملكه، وكانت مضطربة كثيرة العزل والتولية، بتدبير الموالي وغلبتهم عليه، فقام ولي عهده أخوه الموفق بالله (طلحة) فضبط الأمور وصلحت الدولة، وانكفّت يد المعتمد عن كل عمل، حتى إنه احتاج يوما إلى ثلاث مائة دينار فلم ينلها، وكان من أسمح بني العباس، جيد الفهم شاعرا، إلا أنه لما غلب على أمره انتقصه الناس، وكان مقام الخلفاء قبله في سامراء فانتقل المعتمد منها إلى بغداد، فلم يعد إليها أحد منهم بعده، ومات أخوه الموفق سنة ٢٧٨ هـ، فأهمل أمر الرعية، ومات مسموما، وقيل: رمي في رصاص مذاب، وكان موته في بغداد، وحمل إلى سامراء فدفن فيها -