أبي محمد (١) موسى بن محمد المهدي [ص ١١٩]، كان كريما غيورا حاد المزاج، شرس الخلق، له بادرة لا تؤمن، وإقدام لا يطمئن به، وقد أراد الرشيد على خلع نفسه من ولاية العهد، وراود في ذلك يحيى بن خالد غير مرة، وهو ممتنع عليه، ويقيم له الأدلة على زيف رأيه في ذلك، على ما سيأتي ذكره في مواضعه من هذا الكتاب، ولم يطل بالهادي فسيح أجل، ولا تراخى به عنان مهل، حتى ساورته المنون، وسارعته الشهور لا السنون، فمال عرشه في أقرب وقت، ومات وأبقى له المقت، واختلف في موته بأي سبب كان، فقيل: أكل رمانا فشرق منه بحبة فمات، وقيل: وقع على قصب فارسي فدخل في دبره فمات، وقيل:
مرض أياما ومات، وقيل: غمّته أمّه الخيزران (٢) لإفراط تحجره عليها، وتبرمه من
(١) الهادي العباسي: موسى الهادي بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور، أبو محمد، ولد بالري، وولي بعد وفاة أبيه سنة ١٦٩ هـ، وكان غائبا بجرجان فأقام أخوه الرشيد بيعته، واستبدت أمه الخيزران بالأمر، وأراد خلع أخيه هارون الرشيد من ولاية العهد وجعلها لابنه جعفر، فلم تر أمه ذلك، فزجرها فأمرت جواريها أن يقتلنه، فخنقنه، ودفن في بستان بعيسى أباذ، ومدة خلافته سنة وثلاثة أشهر، وكان طويلا جسيما أبيض، في شفته العليا تقلص، وكان شجاعا جوادا، له معرفة بالشعر والأدب، وفاته سنة ١٧٠ هـ. (الطبري ١٠/ ٢١، ٣٣، ابن الأثير ٦/ ٢٩ - ٣٦، اليعقوبي ٣/ ١٣٦ تاريخ الخميس ٢/ ١٣٦، مروج الذهب ٧/ ٢٠١ تاريخ بغداد ١٣/ ٢١ الأغاني ٤/ ٥٤٣) (٢) الخيزران: زوجة المهدي العباسي، وأم بنيه الهادي وهارون الرشيد، ملكة حازمة متفقهة. يمانية الأصل، أخذت الفقه عن الإمام الأوزاعي، وكانت من جواري المهدي، وأعتقها وتزوجها، ولما مات وولي ابنها الهادي انفردت بكبار الأمور، وأخذت المواكب تغدو وتروح إلى بابها، وحاول الهادي منعها من ذلك حتى قال لها: إذا وقف ببابك أمير ضربت عنقه، وسعى في عزل أخيه الرشيد -