أبي عبد الله محمد بن المنصور (١)، وكان أبوه قد قرر أموره، وقرّب له مد الخلافة، وما مات حتى أكد له البيعة، ووثق له أسباب الملك، وكان مما بالغ فيه من التمهيد له، أنه آثره دونه بحسن السمعة، وخلاص الذمة، فإنه أخذ أموالا حسنة من الناس وأودعها (٢) بيت المال في أكياسها، وكتب على كل مال اسم صاحبه، ثم لما عزم على الحج، قال له: يا بني، إذا أنا متّ ردّ كل مال على صاحبه ليحبّوك، فلما مات رد الأموال على أهلها. وقالوا: ظلمنا أبوه وأنصفنا هو، فأحبّوه وتيمنوا بأيامه، ولما ولي نفّس خناق الناس، وحل عقد أبيه، وأزال تشدده، وأطلق ما أمسك به يده، ولم يحرم طالب ثواب ولا آخذ بطائل عقاب، وكانت أيام هدوء وأعوام خصب، رقت بها حواشي الحنو، وردت الأمة مناهلها صفوا، وردت نقمها عفوا، وورفت ظلال حلمها، فلم يدع هفوا،
(١) المهدي العباسي: محمد بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي، أبو عبد الله، المهدي بالله، ولد بايذج (من كور الأهواز) وولي بعد وفاة أبيه، وبعهد منه سنة ١٥٨ هـ، وأقام في الخلافة عشر سنين وشهرا، كان محمود العهد والسيرة، محببا إلى الرعية، حسن الخلق والخلق، جوادا، يقال إنه أجاز شاعرا بخمسين ألف دينار، وكان يجلس للمظالم، وهو أول من مشي بين يديه بالسيوف المصلتة والقسي والنشاب والعمد، وأول من لعب بالصوالجة في الإسلام، تعقب الزنادقة وأوقع بهم، توفي في ما سبذان صريعا عن دابته في الصيد، وقيل مسموما سنة ١٦٩ هـ. (الطبري ١٠/ ١١ - ٢١، ابن الأثير ٦/ ١١، ٢٧، فوات الوفيات ٢/ ٢٢٥، دول الإسلام ١/ ٨٦، البدء والتاريخ ٦/ ٩٥، المسعودي ٢/ ١٩٤ - ٢٠١، الوافي بالوفيات ٣/ ٣٠٠، النبراس ص ٣١ - ٣٥) (٢) في الأصل: وأودها.