أبي إسحاق محمد (١) بن هارون الرشيد، عهد إليه أخوه المأمون وشهد بأهليته هو والمسلمون، ونطقت أسنة السنة فما كذبت، وصدقت مضارب سيوفه فما نبت، وكان فارسا شجاعا بطلا مناعا، راميا محاميا بصيرا بمواقع الحرب، وترتيب الجيوش، وقتل الأعداء، وحملهم من رماحه على النفوس، وكان كما يوسم اخوه مخيلة عارضه الهتون، وخميلة أرضه الهرون، واستكثر من الغلمان الأتراك، وأحل كبراء هم منه بمكان الاشتراك، حتى حدث بعده منهم ما حدث، وأحدثوا ما لو شعر به لقام لا يواريه حدث، فإنهم فعلوا ما كانوا دون قدره، وقتلوا من بنيه من يلوث بدمه الصباح وهاطراطيشه (٢) على شفق فجره، فأما في زمان المعتصم، فإنهم كانوا في مزيد الاستطاعة
(١) المعتصم: محمد بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور، أبو إسحاق المعتصم بالله، خليفة من أعاظم خلفاء بني العباس، بويع بالخلافة سنة ٢١٨ هـ، يوم وفاة أخيه المأمون وبعهد منه، وكان بطرسوس وعاد إلى بغداد بعد سبعة أسابيع، وكان قوي الساعد يكسر زند الرجل بين أصبعيه، ولا تعمل بجسمه الأسنان، وكره التعليم منذ الصغر، فنشأ ضعيف القراءة، يكاد يكون أميا، وهو فاتح عمورية من بلاد الروم الشرقية، وباني مدينة سامراء سنة ٢٢٢ هـ، حين ضاقت بغداد بجنده، وهو أول من أضاف اسم الله تعالى إلي اسمه من الخلفاء، كان لين العريكة رضي الخلق، اتسع ملكه جدا، وكان له سبعون ألف مملوك، خلافته ٨ سنين و ٨ أشهر وخلف ٨ بنين و ٨ بنات، وعمره ٤٨ سنة، كان أبيض اللون أصهب حسن الجسم مربوعا طويل اللحية، توفي بسامراء سنة ٢٢٧ هـ. (الطبري ١١/ ٦، تاريخ بغداد ٣/ ٣٤٢، مروج الذهب ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٨، ابن الأثير ٦/ ١٤٨ - ١٧٩، اليعقوبي ٣/ ١٩٧، فوات الوفيات ٢/ ٢٧٠ النبراس ص ٦٣ - ٧٣، البدء والتاريخ ٦/ ١١٤). (٢) كذا جاءت الكلمة، ولم أهتد إلى معناها. (والمقصود وهذه هي آثاره). (أي آثار دمائهم).