أبو الفضل جعفر (١) بن أحمد المعتضد، بويع صغيرا، وتوبع أمره وهو غرير (٢)، وكانت أمه هي التي تصدر الأمور، والقهرمانة أم موسى تدبر المعمور، وجلست في دار العدل، وقرئت عليها القصص، وأوقرت الصدور بالغصص، وكان الوزير إذا قيل له في شئ، قال: حتى أراجع السيدات، والتواقيع تخرج إليه عنهن، وأكثرها بالسيئات، فكانت أيامه دولة النساء، ودولة السفلة لا الرؤساء، فكان الناس كأنهم فوضى لا يعرف خليفة، تتبرض له ثمدا ولا حوضا، لا تجد إلا ضياعا، ولا تردّ يد تملكت أرضا ولا ضياعا، أعراض موهوبة، وأعراض منهوبة (٣)، وشكايا (٤) مرقوعة، وبلايا موضوعة، وخلائق تتظلم،
(١) المقتدر بالله: جعفر بن أحمد بن طلحة، أبو الفضل المقتدر ابن المعتضد ابن الموفق، ولد ببغداد وبويع بالخلافة بعد وفاة أخيه المكتفي سنة ٢٩٥ هـ، فاستصغره الناس فخلعوه سنة ٢٩٦ هـ ونصبوا عبد الله بن المعتز، ثم قتلوا ابن المعتز، وأعيد المقتدر بعد يومين، فطالت أيامه وكثرت فيها الفتن، وعصاه خادم له اسمه مؤنس جمع أنصاره ودخل بهم دار المقتدر فأخرجوه وأخرجوا معه أمه وأولاده وخواص جواريه، واعتقلوهم في دار مؤنس سنة ٣١٧ هـ، وبايعوا القاهر بالله (أخا المقتدر)، وثارت فرقة من الجيش تدعى الرجالة، فقتلت بعض رؤساء الغلمان وأعادت المقتدر، وخرج مؤنس من بغداد إلى الموصل فاحتلها ثم هاجم بغداد، فبرز له المقتدر فانهزم أصحاب المقتدر وبقي وحده، فرآه جماعة من المغاربة فقتلوه، وكان ضعيفا مبذرا، استولى على الملك في عهده خدمه ونساؤه وخاصته، وفي زمنه قوي القرامطة، فقلع أبو طاهر القرمطي الحجر الأسود وقتل خلقا كثيرا، قتل المقتدر سنة ٣٢٠ هـ. (تاريخ بغداد ٧/ ٢١٣، ابن الأثير ٨/ ٣ - ٧٥، عريب ص ٢٢، تاريخ الخميس ٢/ ٣٤٥ - ٣٤٩، المسعودي ٢/ ٣٩٠، النبراس ص ٩٥ - ١١٣) (٢) في الأصل: وهو تغريرا. (٣) الأعراض الأولى: جمع عرض، متاع الدنيا قل أو كثر، والأعراض الثانية: جمع عرض، البدن والنفس والحسب، ويراد به الشرف أيضا. (٤) الشكايا: جمع الشكوة، وعاء صغير للماء واللبن يتخذ من جلد.