للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[٨٦ - دولة المستنجد بالله]

أبي المظفر يوسف (١) بن عبد الله المقتفي، كان أبوه احتفر أوزارها، واحتقب سلمتها وإزارها، لم يهب أن هجر الفحشاء أوزارها، ولا خاف مهاجمة الأسود أو زارها، تحلى بالعدل ولزمه، وتجلى في الوبل كالازمة، فلم يزل يكفّر سيئات تلك الذنوب، ويغسل أدناس تلك العيوب بالذنوب، إلى أن نسيت القروح، وأسيت الجروح، وتداول الناس شكر المستنجد، وتحدث به المغير والمنجد، فكأنما بعث للأدواء مسيحا، ومن اللأواء (٢) مريحا، وللآلاء مميحا، وكان يتأمل القصص ويوقع عليها بيده، لحق يحقه بكلماته، وباطل يبطله بإزالة ظلاماته، يقوم الليل ويحييه بتهجده، ولا ينتقل إلا من موضع سريره إى مسجده، لا يعدو يمينه، ولا يعد ما ملكت يمينه مع اقتصار، وقصر طمع واختصار، لا يطلب الدنيا إلا لبذلها [ص ١٨٧]، ولا يجمع الأموال إلا لتشتيت شملها، وهو في هذا كله بقدر محدود، وظل لا ينقبض ولا ممدود، بل لا يأخذ شيئا إلا من حلّه، ولا يصرفه إلا في أهله، لا جرم أنه ضرب به المثل الشرود، وسحب له أمثل البرود، مع أنه استفاد من عدوه وانتقم، وشرب دمه والتقم، إلا أنه كان يغلب حلمه على غضبه، وجده على لعبه، فلهذا قيل إنه فريد وقته، ولم يمثل بعد سمت ذي وقار إلا بسمته، بويع يوم موت أبيه، فقبض على


(١) المستنجد بالله: يوسف بن محمد المقتفي ابن المستظهر، أبو المظفر، من خلفاء الدولة العباسية ببغداد، بويع له بعد وفاة أبيه سنة ٥٥٥ هـ، فأزال المكوس، ورفع الضرائب عن الناس، وكان من أحسن الخلفاء سيرة مع رعيته، لولا ما قيل إنه أحرق مكتبة قاض يعرف بابن المرخم، ثبت للخليفة أنه أخذ أموالا كثيرة من الناس بالباطل، فحبسه وصادره في ماله وأحرق كتبه، توفي ببغداد مخنوقا بالحمام سنة ٥٦٦ هـ.
(تاريخ الخميس ٢/ ٣٦٣، ابن الأثير ١١/ ٩٦ - ١٣٤، مرآة الجنان ٣/ ٣٧٩، مفرج الكروب ١/ ١٣٤، ١٩٣ - ١٩٥، النبراس ص ١٥٨، مرآة الزمان ٨/ ٢٨٤)
(٢) اللأواء: ضيق المعيشة، وشدة المرض.

<<  <  ج: ص:  >  >>