عوج، ولا زمانه من هوج، ولم يكن له يوم بويع ما يلبس، حتى ألبسه جعفر بن ورقاء (١) ثيابه، وقدمه للمبايعة، وتقدم، وطفق الناس في المتابعة، وكان أحط رتبة من إخوته [ص ١٦٥] وأرفع رتبة في نخوته، لولا طيش لا ترفع معه منار، وتهافت أوقع به من الفراش على النار، قدام مدة خلافته وأيامه سنون، وأحكامه جنون، وتصديقه ظنون، وتحقيقه منون، لا يقف مع تدبير سوس، ولا يتوقف في تدمير نفوس، وكان يتطاول إلى فعل آبائه بهمة خانها الرأى الثاقب، وعزمة أنها لا تفكر بالعواقب، فعاجل أقواما ما كان لو طاولهم، وأكمن لهم حتى استأصلهم، لكنه كان خائر العزيمة، خائف الفوات على أول ما يظفر به من الغنيمة، يورطه عظيم تهوره، وتسلطه على ما يريد سقيم تصوره، فأدى به تفريطه إلى أنه خلع وسمل، ثم الحق بسخط الراضي وشمل، ثم عطف عليه فتعرض لأمر اطّرح به وأهمل، وكان في داره ماله رزق يقيته، ولا رزء يميته، فقام يستعطي في المسجد الجامع، حتى أعطي ما لو أنه الحياة لما أمسكت بها الأرماق، أو الدمع لما بلّت به الآماق.
ثم:
= المعتضد بن الموفق، أبو منصور، بويع في أيام سلفه المقتدر أخيه لأبيه سنة ٣١٧ هـ، وأقام يومين وخلع وسجن، ولما قتل المقتدر سنة ٣٢٠ هـ أخرج من السجن وبويع، فأقام إلى سنة ٣٢٢ هـ، ولم تحسن سيرته، فهاج الجند وخلعوه، وكحلوا عينيه بالنار بمسمار محمي دفعتين، وهو أول من سمل من الخلفاء، وحبسوه ثم أطلقوه، توفي ببغداد سنة ٣٣٩ هـ. (تاريخ بغداد ١/ ٣٣٩، ابن الأثير ٨/ ٧٦، نكت الهميان ص ٢٣٦، تاريخ الخميس ٢/ ٣٤٩، ٣٥١، مروج الذهب ٢/ ٤٠٠ النجوم الزاهرة ٣/ ٣٠٣) (١) ابن ورقاء: جعفر بن محمد بن ورقاء الشيباني، شاعر كاتب جيد البديهة والروية، من الولاة، ولد بسامراء واتصل بالمقتدر، فكان يجريه مجرى بني حمدان، وتقلد عدة ولايات، وكان بينه وبين سيف الدولة مكاتبات بالشعر والنثر، توفي سنة ٣٥٢ هـ. (فوات الوفيات ١/ ١٠٥)