ثم سار يريده، وما مرّ ببلد إلا وأطاعه، وأتى دمشق، فخرج إليه عاملها الوليد بن معاوية بن عبد الملك، في وجوه أهلها، فبايعوه، وامتنع من كان بها من بني أمية، فقاتلهم ودخلها بالسيف، واعتقل الوليد بن معاوية ومن كان خرج معه من بني أمية، وقتل العصاة وصلبهم، ثم سار في طلب [ص ٩٩] مروان، وما مر ببلد إلا وفتحه، حتى أدركه ببوصير قوريدس (١) من صعيد مصر، فبينا هو نازل إذا بالمسودة قد غشيته، فسير مروان يقول لعبد الله: الله الله في حرمي، فقال: قل له، لنا الحق في دمك، وعلينا في حرمك، وكان مروان إذ ذاك في جند كثيف، فأسلموه وفروا، فقاتل فيمن بقي معه حتى قتل، وخرج من سرادق مروان شيخ مسن فقال: أيكم الأمير؟ فأرشد إليه، فأتى بهم موضعا في الرمل بعيدا من القرية، فاحفروه فأخرجوا منه القضيب والبردة والقعب والمخضب، واحتز رأس مروان (٢)، وجهر به وبمكان دفنه إلى السفاح، ثم أحسنت
(١) بوصير: اسم لأربع قرى بمصر، وبوصير قوريدس من كورة البوصيرية، وبه قتل مروان بن محمد بن مروان بن الحكم. (ياقوت: بوصير) (٢) مروان بن محمد بن مروان بن الحكم: أبو عبد الله، ويعرف بالجعدي وبالحمار، آخر خلفاء بني أمية، ولد بالجزيرة، وأبوه متوليها، وغزا سنة ١٠٥ هـ فافتتح قونية وغيرها، وولاه هشام بن عبد الملك على أذربيجان وأرمينية والجزيرة سنة ١١٤ هـ فافتتح فتوحات وخاض حروبا كثيرة، ولما قتل الوليد بن يزيد سنة ١٢٦ هـ وظهر ضعف الدولة بالشام دعا الناس وهو بأرمينية إلى البيعة له، فبايعوه فيها، وزحف في جيش كثيف في أيام إبراهيم بن الوليد قاصدا الشام، فخلع إبراهيم واستولى على عرش بني مروان سنة ١٢٧ هـ، وفي أيامه قويت الدعوة العباسية، وتقدم جيش قحطبة بن شبيب الطائي إلى طوس يريد الإغارة على الشام، فسار إليه مروان بعسكره ونزل بالزاب (بين الموصل وإربل) وتقاتل الجيشان فانهزم جيش مروان ففر إلى الموصل ومنها إلى حران فحمص فدمشق ففلسطين، وانتهى إلى بوصير (من أعمال مصر) فقتل فيها، وحمل رأسه إلى السفاح، وكان مروان حازما شجاعا مدبرا، إلا أن ذلك لم ينفعه عند إدبار الملك وانحلال السلطان، ويقال له (الحمار) أو (حمار الجزيرة) لجرأته في الحروب، كان أبيض ضخم الهامة بليغا، قتل سنة ١٣٢ هـ. -