وشرب، دعا به فقال: يا هذا، انصفني في المخاطبة والمسألة،
قال: قل ما تحب، قال: فأخبرني أيما أشر (١) وأخبث، أنا أم فرعون، قال:
بل فرعون قال أنا ربكم الأعلى، وما علمت لكم من إله غيري، قال:
صدقت، قال: فأخبرني فمن خير أنت أم موسى بن عمران، قال: موسى كليم الله وصفيه اصطنعه لنفسه، وائتمنه على وحيه، وكلمه من خلقه، قال:
صدقت، أفما تعلم أنه لمّا بعثه الله وأخاه إلى فرعون قال لهما: فقولا قولا لينا، وهذا في عتوه وجبروته (٢) على ما قد علمت، وأنت جئتني وأنا بهذه الحال التي تعلم أكثر فرائض الله أؤديها ولا أعبد سواه، أقف عند أكثر حدوده [ص ١٣٠] فوعظتني بأغلظ الألفاظ وأبشعها، وأخشن الكلام وأفظعه، فلا بأدب الله تأدبت، ولا بأخلاق الصالحين أخذت، فما كان يؤمنك أن أسطو بك، فإذا أنت قد عرضت نفسك لما كنت عنه غنيا، فقال الزاهد: أخطأت يا أمير المؤمنين وأنا استغفر الله، قال: قد غفر الله لك، وأمر له بعشرين ألف درهم، فقال: لا حاجة لي بالمال، فزجره هرثمة، فقال له الرشيد: أمسك عنه، ثم قال له: لم نعطك المال لحاجتك إليه، ولكن من عادتنا ألا يخاطب الخليفة أحد إلا وصله، فاقبل من صلتنا ما شئت، فضعها حيث أحببت، فأخذ من المال ألفي درهم، وفرقها على من حضره.
وذكر ابن بختيشوع (٣) قال:
(١) أي أكثر شرا. (٢) في الأصل: جبريته. (٣) ابن بختيشوع: جبرائيل بن بختيشوع طبيب هارون الرشيد وجليسه وخليله، يقال: إن منزلتهما زالت تقوى عند الرشيد حتى قال لأصحابه: من كانت له حاجة إليّ فليخاطب بها جبرائيل، فإني أفعل كل ما يسألني فيه ويطلبه مني، فكان القواد يقصدونه في كل أمورهم، ولما توفي الرشيد خدم الأمين، فلما ولي المأمون سجنه ثم أطلقه وأعاده إلى مكانته، له تصانيف -