لفضل، متنوع من العلم والحلم، والكرم والشجاعة والوفاء، والنظم والنثر والآداب، إماما مقدما في كل هذه الفضائل، ومعظما في علوم المتأخرين والأوائل، مع ما طبع الله عليه من كرم الأخلاق، وخصه به من تمام السعادة، ومضاء المهابة، لا يعدله في القوم نظير فيما جمع من المناقب الثاقبة، والخلائق الجميلة، أربى علمه على اليونان، وحلمه على ثهلان، وكرمه على ابن مامة، وشجاعته على فارس النعامة، ووفاؤه على السموأل، وشعره على جرول، ونثره على سحبان، وآدابه على ملوك آل ساسان، وقد صفح عن عمه إبراهيم بن المهدي (١)، وقد واثبه في خطواته، وابتز الخلافة من لهواته، ولما ظفر به تغمده
= الخلفاء من بني العباس في العراق، أحد أعاظم الملوك في سيرته وعلمه وسعة ملكه، نفذ أمره من أفريقية إلى أقصى خراسان وما وراء النهر والسند، ولي الخلافة بعد خلع أخيه الأمين سنة ١٩٨ هـ، فتمم ما بدأ به جده المنصور من ترجمة كتب العلم والفلسفة، وأتحف ملوك الروم بالهدايا سائلا أن يصلوه بما لديهم من كتب الفلاسفة، فبعثوا إليه بعدد كبير من كتب أفلاطون وأرسطو وأبقراط وجالينوس وأقليدس وبطليموس وغيرهم فاختار لها مهرة التراجمة فترجمت، وحض الناس على قراءتها، وقرب العلماء والمحدثين والمتكلمين وأهل اللغة والأخبار والمعرفة بالشعر والأنساب، وأطلق حرية الكلام للباحثين وأهل الجدل والفلاسفة، لولا محنة القول بخلق القرآن التي كانت بلاء على العلماء، توفي في بذندون ودفن في طرسوس سنة ٢١٨ هـ. (المسعودي ٢/ ٢٤٧ - ٢٦٩، النبراس لابن دحية ص ٤٦ - ٦٣، تاريخ بغداد ١٠/ ١٨٣، الطبري ١٠/ ٢٩٣، ابن الأثير ٦/ ١٤٤ - ١٤٨، فوات الوفيات ١/ ٢٣٩، تاريخ الخميس ٢/ ٣٣٤، البدء والتاريخ ٦/ ١١٢) (١) إبراهيم بن المهدي: إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور العباسي، أبو إسحاق، ويقال له ابن شكلة، أخو هارون الرشيد، ولد ونشأ ببغداد، ولاه الرشيد إمرة دمشق، ثم عزله عنها بعد سنتين ثم أعاده إليها، ولما انتهت الخلافة إلى الأمين كان إبراهيم قد اتخذ فرصة اختلاف الأمين والمأمون للدعوة إلى نفسه، وبايعه كثيرون في بغداد، فطلبه المأمون فاستتر، فأهدر دمه، فجاءه مستسلما فسجنه ستة أشهر، ثم طلبه إليه وعاتبه على عمله فاعتذر فعفا عنه، وكانت خلافته ببغداد سنتين إلا خمسة وعشرين يوما، وتغلب على الكوفة والسواد، والمأمون بخراسان، وأقام في استتاره ست سنين، وظفر به المأمون سنة ٢١٠ هـ، كان أسود حالك السواد عظيم الجثة -