للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقال له يحيى: قد هيّأ الله لأمير المؤمنين من أمره رشدا، وكان محبا في لعب الشطرنج، وكان يقول: هو فكري يشحذ الذهن، ولم يكن فيه حاذقا، وكان يقول: أدير أمر الدنيا فأتسع فيه وأضيق في تدبير شبرين في شبرين، وفيه يقول:

[البسيط]

أرض مربعة حمراء من أدم … ما بين إلفين مخصوصين بالكرم

تذاكرا الحرب فاحتالا لها مثلا … من غير أن يأثما فيها بسفك دم

وأما خروج عمه إبراهيم بن المهدي عليه، فكان سببه أن المأمون لما أراد أن يصرف الخلافة إلى علي بن موسى الرضا (١)، وبدّل السواد بالخضرة، نقم عليه بنو أبيه، فلما كان بخراسان خلع أهل بغداد طاعته وبايعوا ابن المهدي، ولقبوه بالمبارك، فلما تمهد له الأمر أساء إلى الجند ومنعهم أرزاقهم، فاضطربوا عليه وخلعوه يوم الجمعة سنة ثلاث ومائتين، وكانت [ص ١٤٠] مدته نحو سنة، واختفى، وبلغ المأمون الخبر فأتى بغداد فدخلها يوم السبت سادس عشر صفر سنة أربع ومائتين، ولم يزل ابن المهدي مختفيا إلى أن خرج متنقبا على هيئة امرأة بين امرأتين ليلة السابع عشر من ربيع الآخر سنة عشرة ومائتين، فأخذه


(١) علي الرضى: علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، أبو الحسن، الملقب بالرضى، ثامن الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، من أجلاء أهل البيت وفضلائهم، ولد بالمدينة، وكان أسود اللون، أمه حبشية، وأحبه المأمون العباسي فعهد إليه بالخلافة من بعده، وزوجه ابنته، وضرب باسمه على الدينار والدرهم، وغيّر من أجله الزي العباسي الذي هو السواد فجعله أخضر، وكان هذا شعار أهل البيت، فاضطرب العراق، وثار أهل بغداد فخلعوا المأمون وهو في (طوس)، وبايعوا لعمه إبراهيم بن المهدي، فقصدهم المأمون بجيشه، فاختبأ إبراهيم ثم استسلم فعفا عنه المأمون، ومات الرضى في حياة المأمون بطوس، فدفنه بجانب أبيه الرشيد، ولم تتم له الخلافة، وعاد المأمون إلى السواد، فاستألف القلوب ورضي عنه الناس، كانت وفاة الرضى سنة ٢٠٣ هـ.
(الطبري ١٠/ ٢٥١، ابن الأثير ٦/ ١١١، نزهة الجليس ٢/ ٦٥، ابن خلكان ١/ ٣٢١)

<<  <  ج: ص:  >  >>