خُدَّهُ العيون، فوكلت بها الفتون. يا أبا عبد الله نَكَّسَ رأسه؛ لأني علقته وخده هلالي، وفرعه ظلامي، ولحظه بابلي وقده قضيبي، وردفه كثيبي، وخصره سابري، وصدره عاجي، فكان طرفي يشرب كافوره بالشفق، فيخرج ذلك صدر الغَسَق، فوكل من نمنمته رقيبًا علي فضي أديمه، فتوهم ذلك الطاهر الأخلاق الطيب الاعتناق، أَنَّ ذلك مما يُضعف أسباب محبَّته، ويُخْلِق رسوم مودّته، فقلتُ له: بحقي عليك يا أبا علي إلا قلت في هذا شيئًا، فأطرق قليلًا، ثم قال (١): [من مخلع البسيط]
وأسْمرُ اللون عسجديٌّ … يكادُ يسْتمطرُ الجُهَاما
ضاق بحمل العِذارِ ذَرْعًا … كالمُهْرِ لا يعرف اللجاما
وهل يرى عارضاهُ إِلاّ حَمَائِلًا … قُلْدَتْ حُسَامَا
قال الصقليّ: فلم أزل ألاطف أبا علي حتى أطلعني على سرائره مع ذلك الغُلام؛ فوالله ما اطلعت له معه على ما يحاسب به من قبح فعل، ثم كنت أختلف إلى الغلام الجوهري، فجلست يومًا إليه، فجعلت أذكر له بعض ما ذكر أبو علي، فرأيته قد تغيّر لوقته وأطرق ساعة، ثم أخذ سحاءةً فكتب فيها:«كتمان السر حلية القلب، فإن أزاله بقي عاطلًا» ثم طواها ودفعها إلي، وقال: قد أودعتها كلامًا موجزًا، ومعنى محرزًا، فإذا أتيت أبا علي فأعلمه أَنَّ المحب إذا كتم رُحِم، وإذا نَشَرَ هُجر، فلا تعد بعدها إلى إفشاء سري، فإن بَرِمَ بحُبّي انتهيت عن زيارته، وعوضته بفيض الدموع، وطول الخضوع، وأنا أقسم بحاجته إليّ، وإنذاره بالنوح علي، لا أخلي صدره من زفرة، ولا ضلوعه من جمرة، ولا جفونه من عَبْرَة. فجئت أبا علي، فدفعت السحاءة إليه، فقرأها وأخبرته بكلامه فوعاه، ثم شهق شهقة توهمت بها أن ضلوعه تفصصت، ثم قال لي: أبهذا القسم أقسم، قلت: نعم، قال لي: أتريد أن أنظم لك منثور ما جئتني به حتى تتوهم أنه كلامه، قلت: بحياتك إلا ما فعلت، فقال (٢): [من الكامل]
لم باح باسمي بعدما كتمَ الهَوَى … زَمَنًا وكان صيانتي أولى به