ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي وأطالع الشروح حتى أحكمت علم المنطق، وكذلك كتاب "أقليدس"(٢)، فقرأت من أوله إلى خمسة أشكال أو ستة عليه، ثم توليت بنفسي حلّ بقية الكتاب بأسره.
ثم انتقلت إلى "المجسطي"(٣) ولما فرغت من مقدماته، وانتهيت إلى الأشكال الهندسية قال الناتلي: تولّ قراءتها وحلها بنفسك ثم اعرضها عليّ لأبين لك صوابه من خطئه، وما كان الرجل يقوم بالكتاب، فأخذت أحل ذلك الكتاب فكم من شكل ما عرفه إلا وقت ما عرضته عليه، وفهّمته إياه (٤).
ثم فارقني الناتلي متوجها إلى كركانج، واشتغلت أنا بتحصيل الكتب في الفصوص والشروح، من الطبيعي والإلهي، وصارت أبواب العلم تنفتح عليّ.
ثم رغبت في علم الطب وصرت أقرأ الكتب الصعبة فيه، وعلم الطب ليس من العلوم الصعبة، فلا جرم أني برّزت فيه في أقل مدة، حتى بدأ فضلاء الطب يقرءون عليّ علم الطب. وتعاهدت المرضى فانفتح عليّ من أبواب المعالجات
(١): انظر: تاريخ مختصر الدول ١٨٧. (٢): أقليدوس: اسم حكيم له كتاب في الهندسة معلوم، وغلب اسمه عليه أيضا، وليس خطأ كما ظنه صاحب القاموس، حيث قال: وقول ابن عباد "أقليدس" اسم كتاب غلط ". ونقل الزبيدي عن شيخه أنه لا غلط، فإن إطلاق اسم المؤلف على كتابه من الأمر المشهور، بل قلّ أن تجد من يميز بين اسم الكتاب ومؤلفه، فيقولون: قرأت البخاري. انظر: القاموس المحيط مادة قلدس، وكذا تاج العروس. وقصد السبيل للمحبي ١/ ٢٠٣. (٣): المجسطي: بالكسر وتخفيف الياء، يوناني، معناه: الترتيب، اسم كتاب لبطليموس، أول من عرّبه حنين بن إسحاق النصراني العبادي، الطبيب، وابنه إسحاق لحق بأبيه في نقل الكتب اليونانية إلى العربية. انظر: قصد السبيل ٢/ ٤٤٥. (٤): تاريخ مختصر الدول ١٨٧، وعيون الأنباء ٤٣٨، وتاريخ الإسلام ٢٩/ ٢٢٠.