ذكر النفس والعقل على الوجه الذي يقولونه ويعرفونه هم، وكذلك أخي، وربما كانوا يذكرونه بينهم وأنا أسمع وأدرك ما يقولونه، ولا تقبله نفسي، وابتدؤوا يدعونني إليه ويجرون على ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة، وحساب الهند، وأخذ يوجهني إلى رجل كان يبيع البقل ويقوم بحساب الهند حتى أتعلمه منه، ثم جاء إلى بخارى أبو عبد الله الناتليّ (١) وكان يدعى المتفلسف، وأنزله أبي إلى دارنا، رجاء تعليمي منه، وقبل قدومه كنت أشتغل بالفقه والتردد إلى إسماعيل الزاهد (٢)، وكنت من أجود السالكين، وقد ألفت طرق المطالبة (٣)، ووجوه الاعتراض على المجيب على الوجه الذي جرت عادة القوم به.
ثم ابتدأت بكتاب" إيساغوجي "على البابلي. ولما ذكر لي أن حد الجنس هو المقول على كثيرين مختلفين بالنوع في جواب ما هو، فأخذت في تحقيق هذا الحد بما لم يسمع بمثله، وتعجّب مني كل التعجب، وحذّر والدي من شغلي بغير العلم (٤).
وكان أي مسألة قالها لي أتصورها خيرا منه، حتى قرأت ظواهر المنطق عليه،
(١): الناتليّ: بفتح النون وكسر التاء المنقوطة، من فوقها باثنتين وفي آخرها اللام، هذه النسبة إلى " ناتيل "وهي بليدة بنواحي آمل طبرستان، كثيرة الخضرة والمياه. انظر: الأنساب ٩/ ١٢. (٢): انظر: وفيات الأعيان ٢/ ١٥٨. (٣): في تاريخ الإسلام: المناظرة. (٤): قال ابن العبري: ولما وصل إلى تحديد الجنس الذي يطلق على أنواع كثيرة قال لمعلّمه: هل يطلق الجنس على كل من الأنواع فردا فردا؟. قال المعلم: نعم. اعترض الفتى فقال: إذا سألني سائل: من هو الإنسان؟. وقلت له: حيوان فقط، فهل يكون جوابي صائبا؟ قال المعلم: نعم. ناقضه التلميذ وقال: لست أوافقك، إذ لست بلا روية حتى إذا سألني سائل عن الحيوان الناطق من هو؟. أكتفي بالقول: إنه حيوان، وأسكت. ومنذ إذ ترك المعلم وجعل يطالع على حدة، ويتفهّم ما يقرأ. انظر: تاريخ الزمان ٨٨. وتاريخ الإسلام ٢٩/ ٢٢٠.