وطالعت فهرست (١) كتب الأوائل، وطلبت ما احتجت إليه منها، ورأيت من الكتب ما لم يقع اسمه إلى كثير من الناس قط. وما كنت رأيته من قبل، ولا رأيته أيضا من بعد. فقرأت تلك الكتب، وظفرت بفوائدها، وعرفت مرتبة كل رجل في علمه (٢).
فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمري فرغت من هذه العلوم كلها، وكنت إذ ذاك للعلم أحفظ، ولكنه اليوم معي أنضج، وإلا فالعلم واحد لم يتجدّد لي بعده شيء! (٣).
وكان في جواري رجل يقال له: أبو الحسن العروضي (٤)، فسألني أن أصنف له كتابا جامعا في هذا العلم، فصنّفت له: المجموع، وسميته به، وأتيت فيه على سائر العلوم، سوى الرياضي، ولي إذ ذاك إحدى وعشرون سنة من عمري!.
(١): الفهرست: بالكسر، الكتاب إلى تجمع فيه الكتب، معرّب فهرست، وقد فهرست كتابه، انتهى. كذا في القاموس - مادة فهرس - وقد وردت فيه بدون تاء -. وقال الزركشي في تعليقه على مصطلح الحديث لابن الصلاح: يقولون: فهرست، وجعل التاء فيه للتأنيث، ويقفون عليها بالهاء، والصواب كما قاله ابن مكي في" تثقيف اللسان وتلقيح الجنان ": فهرست بإسكان السين، والتاء فيه أصلية، ومعناها في اللغة: جملة العدد للكتب، لفظة فارسية، واستعمل الناس فيها: فهرس الكتب يفهرسها فهرسة، مثل دحرج، وإنما الفهرسة اسم جملة العدد، والفهرسة المصدر، كالفذلكة، يقال: فذلكت الكتاب إذا وقفت على جملته، انتهى. قال الشهاب: أقول: ما في القاموس هو من كلام الليث، وتحريره أن هذه اللفظة فارسية، وفارسيتها بكسر الفاء وسكون الهاء وكسر الراء المهملة تليها سين مهملة، ساكنة ثم مثناة فوقية ساكنة، ومعناه: إجمال الأشياء لتعديد أسمائها وحصرها مطلقا على الترتيب، ثم إنهم عرّبوه وصرفوه، فقالوا: فهرس يفهرس فهرسة، كدحرج. انظر: قصد السبيل للمحبي ٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨، و" تثقيف اللسان ٥٩ ". (٢): انظر: وفيات الأعيان ٢/ ١٥٨، وتاريخ الإسلام ٢٩/ ٢٢٢، وعيون الأنباء ٤٣٩. (٣): تاريخ مختصر الدول ١٨٨، وتاريخ الإسلام للذهبي ٢٩/ ٢٢٢. (٤): هكذا في الأصل المخطوط: أبو الحسن، وفي تاريخ الإسلام، وعيون الأنباء: أبو الحسين العروضي.