وكان في جواري أيضا رجل يقال له: أبو بكر البرقي (١) الخوارزمي (٢)، فقيه النفس، متوجه في الفقه والتفسير، والزهد، مائل إلى هذه العلوم، فسألني شرح الكتب [له]، فصنفت له كتاب:" الحاصل والمحصول "في قريب من عشرين مجلدا، وصنفت له في الأخلاق كتابا سميته:" كتاب البر والإثم "وهذان الكتابان لا يوجدان إلا عنده، ولم يعر أحدا أن ينسخ منه (٣).
ثم مات والدي، وتصرّفت بي الأحوال، وتقلدت شيئا من أعمال السلطان، ودعتني الضرورة إلى الإحلال ببخارى (٤)، والانتقال إلى" كركانج "(٥)، وكان أبو الحسن السهلي، المحب لهذه العلوم بها وزيرا. وقدمت على الأمير بها وهو علي بن المأمون، وكنت على زي الفقهاء، إذ ذاك بطيلسان (٦) تحت الحنك، وأثبتوا
(١): البرقيّ: بفتح الباء والراء، والقاف بعدهما، هذه النسبة إلى برق، وهو بيت كبير من خوارزم، انتقلوا إلى بخارى وسكنوها، وهذه النسبة إلى برق يعني بالفارسية: بره ولد الشاة، لأنه كان في آبائه من يبيع الحملان، فعرّب بالفارسي. انظر: الإكمال لابن ماكولا ١/ ٤٨٣، والأنساب ٢/ ١٦١. (٢): ترجم له ابن ماكولا في الإكمال ١/ ٤٨٣، وابن السمعاني في الأنساب ٢/ ١٦١ - ١٦٢، وقال ابن ماكولا: ورأيت ديوان شعره وأكثره بخط تلميذه ابن سينا الفيلسوف. (٣): تاريخ الإسلام ٢٩/ ٢٢٢، وعيون الأنباء ٤٣٩. (٤): في تاريخ الحكماء: " إلى الارتحال عن بخارى "، وفي" الوافي بالوفيات "إلى الإخلال ببخاري". (٥): كركانج: بالضم ثم السكون، وكاف أخرى، وبعد الألف نون ساكنة، يلتقي بها ساكنان، ثم جيم: اسم القصبة بلاد خوارزم ومدينتها العظمى، وقد عربت فقيل: الجرجانية. فأما أهل خوارزم فيسمونها: كركانج. وليس خوارزم اسما لمدينة بعينها، إنما هو اسم للناحية بأسرها، وهما كركانجان: فهذه الكبرى، وبينها وبين كركانج الصغرى ثلاثة فراسخ. انظر: معجم البلدان ٤/ ٤٥٢. (٦): الطيلس والطيلسان: مثلثة اللام عن عياض وغيره، معرّب، أصله: "تالشان" وهو في الأصل: كساء مدوّر أخضر لا أسفل له، لحمته أو سداه من صوف، يلبسه الخواص من العلماء والمشايخ، وهو من لباس العجم. ويقال في الشتم: يا ابن الطيلسان!. أي: أنك أعجمي. جمعه: "طيالسة"، والهاء في الجمع للعجمة. انظر: "الألفاظ الفارسية" ١١٣، و"قصد السبيل" للمحبي ٢/ ٢٧٢.