بكتابه في الصنعة، الذي تمم به فلسفته التي لا تزداد بالتمام إلا نقصا! ".
قال: "ولما كان في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، حيث لم يبق ببغداد من يأخذ بقلبي ويملأ عيني، ويحل ما يشكل عليّ، دخلت الموصل فلم أجد فيها بغيتي، لكن وجدت الكمال ابن يونس (١) جيدا في الرياضيات، والفقه، متطرفا في باقي أجزاء الحكمة، قد استغرق عقله وحسه حب (٢) الكيمياء، وعملها، حتى صار يستخف ما عداها.
واجتمع إليّ جماعة كثيرة، وعرضت عليّ مناصب؛ فاخترت منها مدرسة ابن مهاجر المعلقة، ودار الحديث [التي] تحتها.
وأقمت بالموصل سنة كاملة في اشتغال دائم متواصل ليلا ونهارا، وزعم أهل الموصل أنهم لم يروا أحدا من قبلي مثل ما رأوا مني، في سعة المحفوظ، وسرعة الخاطر، وسكون الطائر.
وسمعت الناس يلهجون في حديث الشهاب السهروردي (٣) المتفلسف،
(١): موسى بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك العقيلي، كمال الدين، أبو الفتح الموصلي: فيلسوف علامة بالرياضيات، والحكمة، والأصول، عارف بالموسيقى والأدب، والسير. مولده ووفاته بالموصل، تعلم بها، وبالمدرسة النظامية ببغداد. وقصده العلماء للأخذ عنه، واستخرج في علم" الأوفاق "طرقا لم يهتد إليها أحد. وكان النصارى واليهود يقرءون عليه التوراة والإنجيل، ويشرحهما شرحا وافيا، وكان يقرئ كتاب سيبويه، والمفصل للزمخشري، واتهم في عقيدته لغلبة العلوم العقلية عليه. توفي سنة ٦٣٩ هجرية. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٢/ ١٣٢، ومفتاح السعادة ٢/ ٢١٤، وطبقات السبكي ٥/ ١٥٨ - ١٦٢، والأعلام للزركلي ٧/ ٣٣٢. (٢): في الأصل المخطوط: " حسرة ". والتصويب من: عيون الأنباء ٦٨٦. (٣): الشهاب السهروردي: يحيى بن حبش بن أميرك، أبو الفتوح، شهاب الدين، السهروردي: فيلسوف، اختلف المؤرخون في اسمه، ولد في سهرورد من قرى زنجان في العراق العجمي، ونشأ بمراغة، وسافر إلى حلب، فنسب إلى انحلال العقيدة، وكان علمه أكثر من عقله، كما يقول ابن خلكان، فأفتى العلماء بإباحة دمه، فسجنه الملك الظاهر غازي، وخنقه في سجنه بقلعة حلب،