واجتمعت بالكندي البغدادي النحوي (١)، وجرى بيننا مباحثات، وكان شيخا ذكيا، مثريا، له جانب من السلطان (٢)، لكنه كان معجبا بنفسه، مؤذبا لجليسه، وجرت بيننا مباحثات فأظهرني الله تعالى عليه في مسائل كثيرة، ثم إني أهملت جانبه، فكان يتأذى بإهمالي له أكثر مما يتأذى الناس منه.
وعملت بدمشق تصانيف جمّة، منها:" غريب الحديث " الكبير، جمعت فيه غريب أبي عبيد القاسم بن سلام، وغريب ابن قتيبة، وغريب الخطابي، وكنت ابتدأته بالموصل، وعملت له مختصرا سميته:" المجرّد "، وعملت كتاب:" الواضحة في إعراب الفاتحة " نحو عشرين كرّاسا. وكتاب:" ربّ " وكتابا في [الذات] والصفات الذاتية الجارية على ألسنة المتكلمين، وقصدت بهذه المسألة الرد على الكندي.
ووجدت بدمشق الشيخ عبد الله بن بابلي (٣)، نازلا بالمئذنة الغربية، وقد عكف عليه جماعة. وتحدث الناس فيه؛ له، وعليه. وكان الخطيب الدولعي (٤)
(١): هو زيد بن الحسن بن زيد بن سعيد الحميري، من ذي رعين، أبو اليمن، تاج الدين الكندي: أديب، ومن الكتاب الشعراء العلماء، ولد ونشأ ببغداد، وسافر إلى حلب سنة ٥٦٣ هجرية، وسكن دمشق، وقصده الناس يقرءون عليه، وكان مختصا بفرخ شاه، ابن أخي صلاح الدين، وبولده الملك الأمجد صاحب بعلبك، وهو شيخ المؤرخ ابن الجوزي، وكان الملك المعظم عيسى يقرأ عليه دائما كتاب سيبويه، متنا وشرحا، والإيضاح والحماسة، وغيرهما، قال أبو شامة: كان المعظم يمشي من القلعة راجلا إلى دار تاج الدين، والكتاب تحت إبطه. توفي رحمه الله تعالى في دمشق سنة ٦١٣ هجرية. انظر ترجمته في: مرآة الزمان ٨/ ٥٧٥، ووفيات الأعيان ١/ ١٩٦، والأعلام ٣/ ٧٥ - ٥٨. (٢): أي السلطان صلاح الدين الأيوبي. (٣): في عيون الأنباء ابن نائلي، ولم أعثر على ترجمته. (٤): هو عبد الملك بن زيد بن ياسين الثعلبي، الدولعي. ضياء الدين، أبو القاسم. فقيه شافعي، من أهل الدولعية، من قرى الموصل. تفقه ببغداد، وانتقل إلى الشام، فولي الخطابة وتدريس الغزالية