وعن مسائل كثيرة، ومع هذا فلا يقطع الكتابة ولا الإملاء. وقال لي: ترجع إلى دمشق، وتجري عليك الجرايات. فقلت: أريد مصر. فقال: السلطان مشغول القلب بأخذ الفرنج عكا، وقتل المسلمين بها. فقلت: لا بدلي من مصر.
فكتب لي ورقة صغيرة إلى وكيله بها. فلما دخلت القاهرة، جاء وكيله (٢)، وكان شيخا جليل القدر، نافذ الأمر، فأنزلني دارا قد أزيحت عللها، وجاءني بدنانير، وغلة. ثم مضى إلى أرباب الدولة، وقال: هذا ضيف القاضي الفاضل، فدرّت الهدايا والصّلات (٣) من كل جانب. وكان كل عشرة أيام أو نحوها تصل تذكرة القاضي إلى ديوان مصر بمهمات الدولة، وفيها فصل يؤكد الوصية في حقي. فأقمت بمسجد الحاجب لؤلؤ (٤) أقرئ الناس.
وكان قصدي في مصر ثلاث أنفس: ياسين السيميائي، والرئيس موسى بن ميمون اليهودي (٥)، وأبو القاسم الشارعي، وكلهم جاؤوني.
(١): سورة الرعد - الآية ٣١. (٢): وهو ابن سناء الملك على ما في عيون الأنباء ٦٨٧. (٣): جمع: صلة، وهي: العطية، أو الهبة. (٤): هو أمين سر رضوان السلجوقي، وأتابك ألب رسلان. (٥): هو موسى بن ميمون بن يوسف بن إسحاق، أبو عمران القرطبي، طبيب، حكيم، رياضي، ويهودي عالم بسنن اليهود، ولد وتعلم في قرطبة بالأندلس، وتنقّل مع أبيه في مدن الأندلس، وتظاهر بالإسلام، فحقظ القرآن وتفقه بالمالكية، ثم توجه إلى مصر فأقام بفسطاطها، حيث ارتدّ فعاد إلى يهوديته، وأقام في القاهرة ٣٧ سنة، كان فيها رئيسا روحيا لليهود، كما عمل خلالها في بلاط الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي، وولده الملك الأفضل علي، ومات بالقاهرة ودفن بطبرية في فلسطين سنة ٥٢٩ هجرية. انظر ترجمته في: عيون الأنباء ٥٨٢ - ٥٨٣، والوافي بالوفيات للصفدي ٢٦/ ١٤٥ - ١٤٩، والأعلام للزركلي ٧/ ٣٢٩ - ٣٣٠، وموسوعة علماء الطب ٢٨١ - ٢٨٢.