للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

على بطلان الكيمياء (١)، وعرفت حقيقة الحال في وضعها، ومن وضعها، وكذب بها، وما كان قصده في ذلك، وخلصت من ضلالين عظيمين موبقين، وتضاعف شكري لله تعالى على ذلك، فإن أكثر الناس إنما هلكوا بكتب ابن سينا، وبالكيمياء.

ثم إن صلاح الدين دخل دمشق، وخرج يودّع الحاج. ثم رجع فحمّ، ففصده من لا خبرة عنده، فخارت القوى، ومات قبل الرابع عشر، ووجد الناس عليه شبيها بما يجدونه على الأنبياء (٢). وما رأيت ملكا حزن الناس لموته سواه، لأنه كان محبوبا، يحبه البر والفاجر، والمسلم والكافر. ثم تفرّق أولاده وأصحابه أيادي سبأ، ومزّقوا في البلاد كل ممزّق، وأكثرهم توجّه إلى مصر لخصبها، وسعة صدر ملكها.

وأقمت بدمشق وملكها الملك الأفضل، وهو أكبر الأولاد في السن، إلى أن جاء الملك العزيز بعساكر مصر، يحاصر أخاه بدمشق، فلم ينل منه بغية، ثم تأخّر إلى مرج الصفر لقولنج عرض له، فخرجت إليه بعد خلاصه منه، فأذن لي في الرحيل معه، وأجرى عليّ من بيت المال كفايتي، وزيادة. وأقمت مع الشيخ أبي القاسم يلازمني صباح مساء، إلى أن قضى نحبه، ولما اشتد مرضه وكان ذات الجنب عن نزلة من رأسه، وأشرت عليه بدواء؛ فأنشد: [المديد]


(١): الكيمياء: بالكسر، ويمد، عبراني معرّب "كيم يه"، أي من الله، وقيل: مولّدة من اليونانية، وأصل معناها الحيلة والحذق، وقيل: فارسيّ معرّب: "كي ميا"، أي: تجيء على الاستبعاد، وقيل: عربي، وقيل: مولّد، الإكسير، أو صنعة معروفة، نقل عن أرسطو أنها من الممكن الذي يعسر وجوده، وأنكرها ابن سينا. انظر: المعرب ٣٣٩، وشفاء الغليل ٢٢٢، والقاموس "كمي"، وقصد السبيل ٢/ ٤١٥ ويلاحظ أن هذه التعاريف تعبر عما عرف عند الأقدمين.
(٢): وجدوا: أي حزنوا عليه حزنا كأنهم حزنوا على نبي من الأنبياء لما كان له من فضل وسيرة حسنه، وصلاح وتقوى.

<<  <  ج: ص:  >  >>