للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم لما ملك السلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب الديار المصرية، وأكثر الشام والشرق، وتفرّقت أولاد أخيه الملك الناصر صلاح الدين، وانتزع ملكهم، توجّه الشيخ موفق الدين إلى القدس، وأقام به مدة، وكان يتردّد إلى الجامع الأقصى، ويشتغل الناس عليه بكثير من العلوم، وصنّف هنالك كتبا كثيرة، ثم إنه توجّه إلى دمشق، ونزل بالمدرسة العزيزية (١)، وذلك في سنة أربع وستمائة. وشرع في التدريس والاشتغال، وكان يأتيه خلق كثير، يشتغلون عليه، ويقرءون أصنافا من العلوم، وتميّز في صناعة الطب بدمشق، وصنّف في هذا الفنّ كتبا كثيرة، وعرف به. وأما قبل ذلك فإنما كانت شهرته بعلم النحو.

وأقام بدمشق مدة، وانتفع به الناس. ثم إنه سافر إلى حلب، وقصد بلاد الروم، وأقام بها سنين كثيرة، وكان في خدمة الملك علاء الدين داود بن بهرام (٢) صاحب أرزنجان، وكان مكينا عنده، عظيم المنزلة، وله منه الجامكية (٣) الوافرة،


(١): المدرسة العزيزية: جوار المدرسة المعظمية بالصالحية - صالحية دمشق - بناها الملك العزيز عثمان ابن الملك العادل المتوفى سنة ٦٣٠ هجرية، وهو شقيق الملك المعظم.
انظر: الدارس بأخبار المدارس للنعيمي ١/ ٥٤٩ - ٥٥٠.
(٢): ابن بهرام: هو الملك الأمجد مجد الدين أبو المظفر بهرام شاه ابن نائب دمشق فرّوخ شاه، ابن الملك شاهنشاه بن أيوب صاحب بعلبك بعد والده، ملّكه إياها عم أبيه السلطان صلاح الدين فدامت دولته خمسين سنة، وكان جوادا كريما شاعرا محسنا، له نظم رائق، وله ديوان. قهره السلطان الملك الأشرف موسى، وأخذ منه بعلبك قبل موته بعام، وملّكها لأخيه الصالح، فتحوّل الأمجد المذكور إلى دمشق، ونزل بداره داخل باب النصر. قتله مملوك له في شوال سنة ثمان وعشرين وستمائة، وفرّ قاتله إلى السطح فألقى بنفسه فهلك.
انظر ترجمته في: الأعلاق الخطيرة ٤٩، ومرآة الزمان ٨/ ٦٦٨ - ٦٦٩، ووفيات الأعيان ٢/ ٤٥٣، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ٣٣٠.
(٣): الجامكية: من الفارسية: " كلمة "بمعنى اللباس، والجامكية في الاصطلاح: الجراية الشهرية تعطى من غلة الوقف، فهي من ناحية أجر، ومن ناحية أخرى منحة.
انظر: التعريف بمصطلحات صبح الأعشى صفحة ٥٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>