للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم لما ملك المأمون كتب إلى الحسن بن سهل (١) بأن يقبض عليه لكونه بعد الرشيد أتى الأمين ببغداد، ولم يأته بخراسان، فحبسه ابن سهل. ثم لما مرض ابن سهل فعالجه الأطباء، فلم ينتفع بذلك، فأخرج جبرائيل من الحبس؛ فعالجه في أيام يسيرة، فبريء، فوهب له مالا وافرا، وتلطّف له مع المأمون، فصفح عنه، واتخذ ميخائيل صهر جبرائيل بدلا منه، وأكرمه كيادا لجبرائيل.

فمرض المأمون مرضا صعبا، أعيا الأطباء علاجه، فقال أبو عيسى - ابن الرشيد - للمأمون: يا أمير المؤمنين! أحضر جبرائيل، فإنه يعرف أمزجتنا منذ الصّبا.

فتغافل عنه، وأحضر يوحنّا بن ماسويه (٢)، فلما ضعفت قوة المأمون ذكّر بجبرائيل، فأمر بإحضاره، فلما حضر غيّر تدبيره كله. فانصلح بعد يوم، واستقل بعد ثلاثة أيام، ثم بعد أيام يسيرة صلح صلاحا تاما، فسرّ به المأمون، وأمر له بألف ألف درهم، وألف كرّ (٣) حنطة، وردّ عليه ما كان قبض له، وصار إذا خاطبه يكنّيه. ثم انتهى إلى أن كان لا يخرج عامل إلى عمله إلا بعد أن يلقى


(١): الحسن بن سهل بن عبد الله السرخسي، وزير المأمون العباسي، وأحد كبار القادة والولاة في عصره، اشتهر بالذكاء المفرط، والأدب والفصاحة، وحسن التوقيعات، والكرم، وهو والد بوران زوجة المأمون، وكان المأمون يجامله ويبالغ في أكرامه، أصيب بمرض السويداء سنة ٢٠٣ هجرية، فتغير عقله حتى شدّ في الحديد، ثم شفي منه قبل زواج المأمون بابنته، وتوفي بسرخس سنة ٢٣٦ هجرية ٨٥١ م. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ١/ ١٤١، وتاريخ بغداد ٧/ ٣١، وتاريخ ابن الوردي ١/ ٢١٧.
(٢): يوحنا بن ما سويه: كان طبيبا ذكيا، فاضلا، خبيرا بصناعة الطب، وله تصانيف مشهورة، وكان مبجلا حظيّا عند الخلفاء، أخباره كثيرة في كتب التراجم. انظر: القفطي أخبار العلماء ٢٤٨، وعيون الأنباء لابن أبي أصيبعة ٢٤.
(٣): الكرّ - بالضم -: مكيال للعراق، وستّة أوقار حمار، أو هو ستّون قفيزا، أو أربعون إردبا.

<<  <  ج: ص:  >  >>