يمتار (١) إلا من فواضل أسواقه، ولا يتطبّب عليل بألطف من شمائل أخلاقه.
ذكره الترجمان كيف تنقّل وآخر أمره أنه عالج عين خادم الفضل بن الربيع (٢)، فشكا الفضل عينه، فأوصله إليه، فلم يزل يكحّله إلى ثلث الليل، ثم سقاه دواء مسهلا فصلح به، فأجرى عليه رزقا.
فما مضت إلا أيام حتى اشتكت عين الرشيد. فقال له الفضل: يا أمير المؤمنين! طبيبي ماسويه من أحذق الناس بالكحل.
فأمر بإحضاره ثم قال له: هل تحسن شيئا من الطب سوى الكحل؟.
فقال: نعم يا أمير المؤمنين!، وكيف لا أحسن وقد خدمت المرضى بالبيمارستان؟!.
فأدناه منه، فنظر في عينيه، فحجمه في ساقيه، وقطر في عينيه، فبرأ بعد يومين، فأمر بأن يجرى عليه في الشهر ألفا درهم، وعلوفه (٣)، ومعونته في السنة عشرون ألف درهم.
ثم اعتلّت أخت الرشيد. فعالجها جبرئيل بأنواع العلاج فلم تنتفع، فاغتمّ بها، فقال الرشيد ذات يوم: قد كان ماسويه ذكر أنه خدم المرضى بالمارستان،
(١): يمتار: من الميرة، بالكسر: جلب الطّعام. مار عياله يمير ميرا، وأمارهم، وامتار لهم. (٢): الفضل بن الربيع: أبو العباس بن يونس بن محمد بن أبي عبد الله، استوزره الرشيد بعد أن أوغر صدره على البرامكة، ثم من بعده لابنه الأمين، توفي سنة ٢٠٨ هجرية ٨٢٣ م. انظر ترجمته في: تاريخ بغداد ١٢/ ٣٤٣، ووفيات الأعيان لابن خلكان ٤/ ٣٧. (٣): العلوفة: لفظ عربي، وهي المواد الغذائية اللازمة للحيوان، ثم صارت للإنسان والحيوان، ثم صارت للراتب، وفي الإدارة العثمانية رواتب العسكريين والمدنيين، وكانت تحسب على أساس الأجر اليومي، ثم صارت تحسب على كل ثلاثة أشهر. انظر: معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي تأليف محمد أحمد دهمان رحمة الله عليه.