للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم خرج متنكّرا لا يعرف من الأعياص عيصه (١)، ولا من أي المصايد قنيصه (٢)، حتى أجلّه من كان لا يجلّه، وقلّ لديه من كان يستقله.

ذكره يوسف بن إبراهيم (٣) في سبب ظهوره ما مختصره: " أن حنين العبادي كان يقرأ على ابن ماسويه، ورهط ابن ماسويه من أهل "جندي سابور" ويكرهون أهل الحيرة، فكره ذات يوم من العبادي كثرة سؤاله، فطرده، وقال له:

شأنك أن تكون صيرفيّا!.

فخرج من عنده، وآلى أن يتعلم لغة يونان كأحسن ما يكون. فجمعني به مجلس فإذا بإنسان له شعرة قد جلّلته، وقد ستر وجهه عني ببعضها، وطفق ينشد شعرا بالرومية، ل "أميروس" رئيس شعراء الروم، فعرفته بنغمته، وكان عهدي به بعيدا، فاستكتمني حاله، وسألني الستر عليه، فبقيت أكثر من ثلاث سنين أو أربعا لم أره، ثم إني دخلت على ابن بختيشوع وقد انحدر من معسكر المأمون، فوجدته عنده، وقد ترجم له أقساما قسمها بعض الروم في كتاب من


(١): العيص: الأصل، وفي المثل: عيصك منك وإن كان أشبا؛ معناه أصلك منك وإن كان غير صحيح. وما أكرم عيصه، وهم آباؤه وأعمامه وأخواله وأهل بيته. ذكره في القاموس.
(٢): القنيص والقنص، محركة: المصيد.
(٣): يوسف بن إبراهيم أبو الحسن ابن الداية، من الحسّاب الكتّاب، بغدادي. من موالي إبراهيم بن المهدي، كان ابن دايته، ونشأ في خدمته، ومات ابن المهدي سنة ٢٢٤ هجرية، فرحل يوسف إلى دمشق سنة ٢٢٥ هجرية، ومنها إلى مصر فكان من جلّة كتّابها، ومن أهل الثراء والنعمة فيها. وكانت له حسنات مستورة كبيرة، وعطايا يجري بها على من قعد بهم الدهر. وفي أيامه ولي مصر أحمد بن طولون، وحبسه مرة في دانب من داره، فاجتمع نحو ثلاثين رجلا ودخلوا على ابن طولون يسألونه إن أراد قتله أن يقتلهم معه!، وذكروا أنهم يعيشون من بره منذ ثلاثين سنة، وعجوا بالبكاء فأطلقه. من مؤلفاته: "أخبار الأطباء" كتاب جليل نقل عنه ابن أبي أصيبعة الكثير، وكانت وفاته بمصر سنة ٢٦٥ هجرية. انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي ٨/ ٢١٢، والكامل لابن الأثير ٦/ ١٥، والمحبر ٤٨٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>