وحدّثني الأمير صارم الدين التبنيني ﵀: أنه لما كان بالكرك وصاحبه الملك الناصر داود بن الملك المعظم، وكان الملك الناصر قد توعّك (١) مزاجه، واستدعى الحكيم عمران إليه من دمشق، فأقام عنده مديدة، وعالجه، حتى صلح، فخلع عليه، ووهب له مالا كثيرا، ورتب له جامكية (٢) في كل شهر ألف وخمسمائة درهم ناصرية، ويكون في خدمته، وأن يسلف منها عن سنة ونصف: سبعة وعشرين ألف درهم.
أقول (٣): وكان السلطان الملك العادل لا يزال يصله بالأنعام الكثير، وله منه الجامكية الوافرة، والجراية، وهو مقيم بدمشق، ويتردّد إلى خدمة الدور السلطانية، والقلعة، وكذلك في أيام الملك المعظم، وكان قد أطلق له أيضا جامكية وجراية تصل إليه، ويتردّد إلى البيمارستان الكبير، ويعالج المرضى به، وكان به أيضا في ذلك الوقت شيخنا مهذّب الدين عبد الرحيم بن علي ﵀، وكان يظهر من اجتماعهما كل فضيلة ويتهيّأ للمرضى من المداواة كل خير، وكنت في ذلك الوقت أتدرب معهما في أعمال الطب، ولقد رأيت من حسن تأتّي عمران في المعالجة وتحقيقه للأمراض ما يتعجّب منه، ومن ذلك أنه كان يوما قد أتى إلى البيمارستان وبه مفلوج، والأطباء قد ألحّوا عليه باستعمال المغالي وغيرها من صفاتهم، فلما رآه وصف له في ذلك اليوم تدبيرا يستعمله، ثم بعد ذلك أمر بفصده، ولما فصد، وعالجه، صلح وبرئ برءا تامّا، وكذلك
(١): في الأصل المخطوط: "توغل" ولا معنى لها، وصوابه من "عيون الأنباء في طبقات الأطباء - ٦٩٧". (٢): الجامكية: الجمع جوامك، وهي الرواتب عامة، ونص القلقشندي "أن نفقة مماليك السلطان كانت عبارة عن جامكيات وعليف وكسوة، وغير ذلك". انظر: صبح الأعشى ٣/ ٤٥٧. (٣): والقول هنا لابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء، وليس لابن فضل الله كما يتوهم.