الطلبة حتى ملأ كل سقاءه، وأمّل بقاءه، وكان لا يعدم منتابا، ولا يدع مرتابا، ولا يسمح أن يكون أحد عند مغناه، فسعد بمحضره جلساؤه، ووضح الصباح وجلاؤه، وكان في مثل هذا موفقا، وفي نقل الطب موثّقا.
قال ابن أبي أصيبعة فيه: "رئيس زمانه، وعلاّمة أوانه، مولده ومنشؤه بدمشق، بارع في الصناعة الطبية، جامعا لعلوم الحكمة، قد أتقن صناعة الطب علما وعملا، واحتوى على معرفتها تفصيلا وجملا، وكان محمود المداواة، مشكور المداراة، متعينا عند الأعيان، متميزا في كل مكان، مؤيدا في اجتلاب الصحة، وحفظها على الأبدان، واشتغل عليه جماعة المتطبّبين، وانتفعوا بفضله المبين، وله التصانيف الصحيحة العبارة، الفصيحة الإشارة، قوية المباني، بليغة المعاني، وعدّدها.
ومنهم:
١٤٥ - أبو الفرج يعقوب بن إسحاق بن القف النصراني (١٣)
بيعة قوم توقّد نبراسها، ودوحة علم مثمرة غفل حراسها، فاق بطبّ له بالأبدان امتزاج، ويدان في تعديل كل مزاج، فطبّب كل داء، ولاطف لطف الأدواء، وكان ذا فهم كأنما كشفت له السجف (١)، وعلم هو البئر الذي لا ينزح،
(١٣) ينظر ترجمته في: عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة ٧٦٧ - ٧٦٨، والأعلام للزركلي ٨/ ٩٦، ودائرة معارف البستاني ٣/ ٤٦٤، وكشف الظنون لحاجي خليفة ٥٦٥ و ١٠٢٣ و ١١٦٦، وإيضاح المكنون للبغدادي ٢/ ١٢٠ و ١٩٣، وهدية العارفين للبغدادي ٢/ ٥٤٥ - ٥٤٦، ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة ١٣/ ٢٤٥، وموسوعة علماء الطب لهيكل نعمة الله ٣٠٣. (١): السّجف: السّتر. وأسجفه إذا أرسله وأسبله. وقيل لا يسمى سجفا إلا أن يكون مشقوق الوسط كالمصراعين. قاله في القاموس.