فراشي، فإذا هرثمة بن أعين (١) يدق الباب دقا شديدا، فكلمته فقال: أجب أمير المؤمنين، فسألته الإمهال إلى غد، فقال: ما إلى هذا سبيل، فاغتسلت وتحنطت، ثم صرنا إلى الرشيد، وإذا بعيسى بن جعفر بن المنصور على يمينه، فسلمت، فرد السلام، ثم قال: أظننا روعناك، قلت: إي والله وكذلك من خلفي، قال: اجلس، فجلست حتى سكن روعي، ثم التفت إليّ فقال: أتدري لم دعوتك؟ فقلت: لا، قال: دعوتك لأشهدك على هذا، إني سألته جارية عنده أن يهبها لي فامتنع، فسألته أن يبيعها فأبى، ووالله لئن لم يفعل لأقتلنّه، فالتفت إلى عيسى وقلت: وما تبتغي بجارية تمنعها أمير المؤمنين؟ فقال: عجلت عليّ قبل أن تعرف ما عندي، قلت: فما الذي عندك؟ قال: إنّ عليّ يمينا بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك أن أبيع هذه الجارية ولا أهبها، فقلت: تهب له نصفها وتبيعه نصفها فتكون لم تهب ولم تبع، فقال: أشهدك أني وهبته نصفها وبعته نصفها بمائة ألف دينار، ثم أتى بالجارية وأخذ المال، فقال الرشيد:
بقيت واحدة، فقلت: ما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: إنها مملوكة ولابد لها من الاستبراء، ووالله إن لم أبت معها ليلتي، إني أظن أنّ نفسي ستخرج، قلت: يا
= توفي سنة ١٨٢ هـ. (النجوم الزاهرة ٢/ ١٠٧، البداية والنهاية ١٠/ ١٨٠، تاريخ بغداد ١٤/ ٢٤٢، الوفيات ٢/ ٣٠٣، أخبار القضاة لوكيع ٣/ ٢٥٤) (١) هرثمة بن أعين: أمير من القادة الشجعان، له عناية بالعمران، بنى في أرمينية وأفريقية وغيرهما، ولاه الرشيد مصر سنة ١٧٨، ثم وجهه إلى أفريقية لإخضاع عصاتها ثم نقله الرشيد إلى خراسان وولاه غزو الصائفة، ولما بدأت الفتنة بين الأمين والمأمون انحاز إلى المأمون، فقاد جيوشه وأخلص له الخدمة، حتى سكنت الفتنة بمقتل الأمين وانتظمت الدولة للمأمون، فنقم عليه أمرا، وقيل اتهمه بممالأة إبراهيم بن المهدي أو بالتراخي في قتال الطالبيين، فضربه وحبسه، وكان الفضل بن سهل (الوزير) يبغضه، فدس إليه من قتله في الحبس سرا بمرو سنة ٢٠٠ هـ. (الطبري ٦/ ٤٦١، ابن الأثير ٦/ ٢٤٥، الولاة والقضاة ص ١٣٦، النجوم الزاهرة ٢/ ٨٨ - ٩٠)