نقلت من خط المختار بن الحسن بن بطلان (١)، أن أبا عثمان الجاحظ، ويوحنا بن ماسويه قال: اجتمعا - بغالب ظني - على مائدة إسماعيل بن بلبل الوزير، وكان من جملة ما قدم مضيرة (٢) بعد سمك. فامتنع يوحنا من الجمع بينهما.
قال له أبو عثمان: أيها الشيخ! لا يخلو أن يكون السمك من طبع اللبن، أو مضاد له، فإن كان أحدهما ضد الآخر فهو دواء له، وإن كانا طبعا واحدا فلنحسب أنّا قد أكلنا من أحدهما إلى أن اكتفينا. فقال يوحنا: والله ما لي خبرة بالكلام، ولكن كل يا أبا عثمان، وانظر ما يكون في غد؟.
فأكل أبو عثمان - نصرة لدعواه - ففلج في ليلته!. فقال:"هذه - والله - نتيجة المحال من القياس". والذي ضلّل أبا عثمان اعتقاده أن السمك من طبع اللبن، ولو سامحناه في أنهما من طبع واحد لكان امتزاجهما قوة ليست في أحدهما.
وحدّث الصولي (٣) في كتاب "الأوراق" قال: كان المأمون نازلا "بذندون" -
(١): المختار بن الحسن بن عبدون ابن بطلان، أبو الحسن: طبيب باحث، من أهل بغداد، سافر يريد مصر سنة ٤٣٩ هجرية، ومر بحلب فأكرمه معز الدولة ثمال بن صالح. ودخل مصر سنة ٤٤١ هجرية، فأقام ثلاث سنوات، ورحل إلى القسطنطينية، ثم إلى أنطاكية، فترهب - وكان مسيحيا - ومات فيها سنة ٤٥٨ هجرية، وكان مشوه الخلقة. انظر ترجمته في: أخبار الحكماء ١٩٢ - ٢٠٧، والأعلام للزركلي ٧/ ١٩١. (٢): المضيرة: مريقة تطبخ باللّبن المضير، وربّما خلط بالحليب. (٣): محمد بن يحيى بن عبد الله، أبو بكر الصولي، وقد يعرف بالشطرنجي: نديم من أكابر علماء الأدب، نادم ثلاثة خلفاء من بني العباس، هم الراضي، والمكتفي، والمقتدر، وله تصانيف منها وأشهرها: "الأوراق". مطبوع، وهو في أحبار آل العباس وأشعارهم، وغيره من الكتب. توفي سنة ٣٣٠ هجرية. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ١/ ٥٠٨، والنجوم الزاهرة ٣/ ٢٩٦، والأعلام للزركلي ٧/ ١٣٦.