وتتابع الشفاء، ودخل الحمّام فأمر بأن يدخل أبو نصر إلى دار الضرب (١)، ويحمل من الذهب ما يقدر عليه. ففعل به ذلك، ثم أتته الخلع، والدنانير من أم الخليفة، ومن ولديه الأميرين محمد وعلي، والوزير نصير الدين بن مهدي العلوي الرازي، ومن سائر كبار الأمراء بالدولة، فأما أم الخليفة وأولاده، والوزير، والشرابي نجاح (٢)، فكانت الدنانير من كل واحد ألف دينار، وكذلك من أكابر الأمراء، والباقين على قدر أحوالهم، فأخبرت أنه حصّل من الذهب العين:
عشرين ألف دينار، ومن الثياب والخلع: جملة وافرة. وألزم الخدمة، وأفرطوا له الجامكية اسنيّة، والراتب، والإقامة، ولم يزل مستمرا في الخدمة إلى أن مات الناصر لدين الله.
قال: وحدّثني بعض الأطباء أن ابن عكاشة الجرائحي كان نذر عليه أن يتصدّق في بيعة سوق الثلاثاء بالربع مما يحصل له، وأنه حمل إلى البيعة مائتين
= فقط على وزن المثقال. انظر: صبح الأعشى للقلقشندي ٣/ ٤٤٠ - ٤٤٤. والماوردي - كتاب الأحكام السلطانية ١٤٧. (١): دار الضرب: كانت من منشآت الفاطميين، بناها المأمون بن البطائحي وزير الآمر سنة ٣١٥ هجرية، بجهة القشاشين وسميت بالدار الآمرية، نسبة إلى الخليفة الآمر بالله، وقرر المأمون البطائحي دور الضرب بالإسكندرية، وقوص، وعسقلان، ثم لما بنى الناصر محمد بن قلاون قصره المعروف به جعل دار الضرب في وسطه. انظر: صبح الأعشى للقلقشندي ٣/ ٣٤٨ - ٣٤٩، و ٤/ ٣٥. والخطط للمقريزي ١/ ٤٠٦. (٢): نجاح الشرابي، الأمير نجم الدولة مولى الناصر لدين الله، كان كبير القدر، معظّما، ملازما لأمير المؤمنين الناصر، لا يكاد يغيب عنه، ويعتمد عليه، وهو الكل، وكان ديّنا، سمحا، جوادا، عاقلا، رئيسا، يحب المساكين ويؤثرهم، ويأخذ للضعيف من القوي، وكان يسمى سلمان دار الخلافة، وكان أسمر اللون. لما مات سنة ٦١٥ هجرية، حزن عليه الخليفة حزنا شديدا، وتصدق عنه من ماله بعشرة آلاف دينار، وكانت له جنازة مشهودة. انظر ترجمته في: الكامل للتاريخ ١٢/ ٣٥٣، والتكملة لوفيات النقلة ٢/ ٤٤٠، رقم ١٦٢٠، وذيل الروضتين ١١٣ - ١١٤، والبداية والنهاية ١٣/ ٨٢.