بصر (١) بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ أبا عبيدة قد فرض عليَّ الخراج، فاكتب له به فأنكر عمر ذاك وقال: فما فرض عليك؟ قال: فرض علي أربعة دراهم وعباءة على كلِّ جلهمة (٢) يعني الجماجم (٣) فقال عمر ﵁ لأبي عبيدة: ما يقول هذا؟ قال: كذب، ولكني صالحته على ما ذكر ليستمتع به المسلمون في شتائهم هذا، ثم تقدم أنت فتكون الذي يفرض عليهم الخراج، فقال عمر ﵁: أبو عبيدة أصدق عندنا منك، فقال قسطنطين: صدق أبو عبيدة، وكذبت أنا. قال: ويحك، فماذا أردت بمقالتك؟ قال: أردت أن أخدعك، ولكن افرض علي يا أمير المؤمنين الآن، قال: فجاثاه النبطي مجاثاة الخصم عامة النهار، ففرض على الغني ثمانية وأربعين وعلى الوسط أربعة وعشرين، وعلى الناس اثني عشر درهما، وشرط عليه عمر ﵁ أن يشاطرهم منازلهم فينزل فيها المسلمون، وعلى أن لا يضربوا بناقوس، ولا يرفعوا صليبًا إلا في جوف كنيسة، وعلى أن لا يحدثوا كنيسة إلا ما في أيديهم، وعلى أن لا يعمر خنزير بين أظهر المسلمين، وعلى أن يقروا ضيفهم يوما وليلة، وعلى أن يحملوا راجلهم من رستاق (٤) إلى رستاق، وعلى أن يناصحوهم ولا يغشوهم، وعلى أن لا يمايلوا عليهم عدوا، فمن
(١) بصر: قال ياقوت في معجم البلدان (١/ ٤٤١): في موضعين، بالضم، والقصر: إحداهما بالشام من أعمال دمشق، وهي قصبة كورة حوران، مشهورة عند العرب. (٢) قال ابن سيده في المحكم والمحيط الأعظم (٤/ ٤٧١): قال سيبويه: والعرب يسمون الرجل جلهمة والمرأة جلهم. (٣) الجماجم: قال الخوارزمي في المغرب (١/ ٩٢): الجمجمة بالضم عظام الرأس ويعبر بها عن الجملة فيقال: وضع الإمام الخراج على الجماجم على كل جمجمة كذا. (٤) الرستاق: قال الجوهري في الصحاح (٤/ ١٤٨١): الرستاق فارسي معرب، الحقوه بقرطاس، ويقال: رزداق ورسداق، والجمع الرساتيق وهي السواد.