وغناء تبلغ به فوق الكفاية حاجته. والناس فيه بين مكفّر ومعتقد له بالولاية وما بين بين هذه الغاية (١).
واحتجّ الصاحب كمال الدين أبو القاسم عمر بن أبي جرادة المعروف بابن العديم (٢)﵀ له في المآخذ التي أخذت عليه ونفذت بها سهام المؤاخذة إليه، وألّف في هذا تأليفا سمّاه الإنصاف والتحري في دفع الظلم والتجرّي عن أبي العلاء المعري (٣)، قال فيه (٤): إنّني وقفت على جملة من مصنّفات عالم معرة النعمان أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري فوجدتها مشحونة بالفصاحة والبيان مودعة فنونا من الفوائد الحسان، محتوية على أنواع الأدب مشتملة من علوم العرب على الخالص واللّباب. لا يجد الطامح فيها سقطة ولا يدرك الكاشح فيها غلطة. ولمّا كانت مختصّة/ ٣١٦/ بهذه الأوصاف متميّزة على غيرها عند أهل الإنصاف قصدوه جماعة لم يعوا عنه وعيه وحسدوه إذ لم ينالوا سعيه، فتتّبعوا كتبه على وجه الانتقاد ووجدوها خالية من الزّيغ والفساد، فحين علموا سلامتها من العيب والشين سلكوا فيها مسلك الكذب والمين. ورموه بالإلحاد والتعطيل والعدول عن سواء السبيل، فمنهم من وضع على لسانه أقوال الملحدة ومنهم من حمل كلامه على غير المعنى الذي قصده، فجعلوا محاسنه عيوبا وحسناته ذنوبا، وعقله حمقا وزهده فسقا، ورشقوه بأليم السّهام وأخرجوه عن الدين والإسلام، وحرّفوا كلمه عن
(١) إنّ ما قرّره المؤلف بحقّ أبي العلاء قطعة نفيسة فيها من الإنصاف والموضوعية الشيء الكثير، وهو ما فتيء يقدّم رأيه، ويقلّب الأمور على وجوهها، ولا تفوته الإشارة إلى الحسد والمطامع والحرص على الزائل من متاع الدنيا ذلك الذي كان من أسباب التحامل على أبي العلاء، وقذفه بشتى النعوت، وهو منها بريء. (٢) ولد ابن العديم سنة ٥٨٨ للهجرة، وتوفي سنة ٦٦٠ للهجرة، وهو من أسرة كريمة عرفت بالعلم والفضل. جمع تاريخا لمدينة حلب يقع بثلاثين مجلدا، ناب في سلطنة دمشق عن الملك الناصر. توفي بمصر ودفن بسفح المقطم. ينظر الإنصاف والتحري، ص ٤٨٣، الهامش الثاني مع مصادره. (٣) وصل هذا التأليف إلينا كما يسميه المؤلف، ونشر في كتاب تعريف القدماء بأبي العلاء، ص ٤٨١، وما بعدها. (٤) ينظر الإنصاف والتحري، ص ٤٨٤، وما بعدها.