مؤلف [دمية القصر](١) كتابا طرّزه بأدبه، وطرّفه بذهبه. وذكر له فى أثنائه درر كلم تنطق بثنائه.
وكان في أوّل حاله فقيها صحب الجويني والد إمام الحرمين (٢) صحبة أثمرت أفانينها، وعمرت بالفوائد أحايينها، ثمّ شغل بالأدب ورقم طرزه، ونظم درّه لا خرزه.
ما نسب بالباخرزي إلاّ إلى باخرز (٣)، ولا حسب له إلاّ الجوهر، وما هو من ذلك الطّرز.
وباخرز ناحية من نواحي نيسابور أخرجت جماعة من الفضلاء، وما خرّجت جماعة إلاّ بالغلاء. وصادف الهوى قبولا من قابليته انطبع في مرآته،/ ٤١٨/ وانقطع كلّ سابق عن مجاراته، واحتاج كلّ من يؤثر عنه من هذا الشان إلى مداراته لحسن يحسن في إظهاره، وقبيح يحمل في مواراته توقّعا لما يقوله في الدمية أو توقّيا واتّقاء منه إذ يسم هذا انحطاطا
= (الباخرزي، حياته وشعره، وديوانه). منشورات الجامعة الليبية، سنة ١٩٧٣، وعليه اعتمدنا في توثيق شعر الباخرزي هنا. (١) دمية القصر وعصرة أهل العصر من كتب التراجم الأدبية المهمة، اتّبع فيه الباخرزي النهج الإقليمي في تقسيم الشعراء مقتفيا أثر الثعالبي في اليتيمة، وجعله بعضهم ذيلا لليتيمة، ويؤكد العماد الأصفهاني أنّ الذي بعثه على تأليف كتابه الخريدة هو هذا الكتاب أي الدمية، وذلك بعد أن اطّلع عليه بأصفهان في دار الكتب التي لتاج الملك بجامعها. وطبع هذا الكتاب ثلاث مرات على ما أعلم، إذ طبعه الدكتور محمد ألتونجي، والدكتور سامي مكي العاني والأستاذ عبد الفتاح محمد الحلو، وكلّهم محقّقون معروفون، وهذا مظهر من مظاهر تشتّت جهود المحققين في كتاب واحد، ولو صرف ذلك الجهد لتحقيق كتب أخرى لم تر النور لكان أحسن. (٢) ترجم له الباخرزي في الدمية، ٢/ ٩٩٨، طبعة ألتونجي، فقال: (علمه في العالم علم، والألسنة والأقلام كلّها في ذكر فضائله ونقش بدائعه لسان وقلم، وكانت أوقاته على الخيرات مقصورة)، أمّا ابنه إمام الحرمين فهو أبو المعالي، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، علم مشهور بالعلم والفضل. تنظر الدمية ٢/ ١٠٠٠، مع مصادر المحقّق. وممّا يذكر هنا أن الباخرزي ذكر صراحة جلوسه إليه فقال: ( … وقد اختلفت إليه فصارت دهم أيامي بمجالسته غرّا، وملأت جيبي وحجري وسمعي من حسن عبارته درّا) تنظر الدمية، ٢/ ٩٩٨. (٣) أصل اسم باخرز: بادهرزه ومعناه بالبهلوية مهبّ الرياح. ينظر الباخرزي، د. التونجي، ص ١٠.