يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد: ٤] الآية. وقوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١] وقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] في هذه الآية دليل على إثبات صفة العلم، وهي الصفات الذاتية، وعلمه سبحانه شامل لكل شيء، ومحيط به؛ فيعلم ما كان، وما يكن لو كان كيف يكون.
قال ابن القيم:
وَهُوَ العليم أحاطَ عِلْمًا بالذي … في الكون مِنْ سِرِّ وَمِنْ إعلان
وبكلِّ شيءٍ عِلْمُهُ سبحانه … فهُوَ المحيط وليس ذا نسيانِ
وكذاك يعلم ما يَكُونُ غدًا … ومَا قَدْ كان والمَوْجُودَ فِي ذَا الآن (١)
في الآية الأولى: إثبات علم الله، فهو سبحانه يعلم ما يدخل في الأرض من المياه والكنوز والأموات والبذور والوحوش وبني آدم في الكهوف وغير ذلك، ويعلم ما ينزل من السماء، [ويعلم ما يخرج منها](٢) من نبات ومعادن ومياه وأموات وأبخرة وغير ذلك، ويعلم ما ينزل من السماء من ملائكة وأمطار ومصائب وحر وبرد وغير ذلك، وما يعرج فيها من حفظة وأعمال، وقد أنكر غلاة القدرية علم الله القديم، وأنه يعلم الأشياء قبل وقوعها، وقد اشتد إنكار السلف عليهم، وقالوا: ناظروهم بالعلم فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه؛ كفروا، وقال الإمام (حم) في رده على الجهمية والزنادقة:
«فإن قال الجهمي: ليس له علم؛ كفر. وإن قال الله: علم مُحْدَثُ؛ كفر؛ حيث زعم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يعلم؛ حتى أحْدَثَ له عِلْمًا؛ فَعَلِم!
فإن قال: الله علم وليس مخلوقًا ولا محدثًا، رجع عن قوله كله، وقال بقول أهل السنة» (٣).
(١) انظر: «الكافية الشافية» (ص ٢٠٧). (٢) من مطبوع «الكواشف الجلية»، وسقط من الأصل، والسياق يقتضيه. (٣) انظر: «الرد على الزنادقة والجهمية» (ص ٣٠٦).