والدليل العقلي على علمه تعالى: إنه يستحيل إيجاده الأشياء مع الجهل؛ ولأن إيجاده الأشياء بإرادة، والإرادة تستلزم تصور المراد، وتصور المراد هو العلم بالمراد، فكان إيجاده مستلزمًا للعلم.
ولأن المخلوقات فيها من الأحكام والإتقان ما يسلتزم علم الفاعل لها؛ لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير علم، ولأن من المخلوقات ما هو عالم، والعلم صفة كمال، ويمتنع أن لا يكون الخالق عالمًا. وهذا له طريقان:
أحدهما: أن يقال: نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوقات، وأن الواجب أكمل من الممكن، ونعلم أنا لو فرضنا شيئين، أحدهما عالم كان العالم أكمل، فلو لم يكن الخالق عالمًا؛ لزم أن يكون الممكن أكمل منه، وهو ممتنع.
الثاني: أن يقال: كل علم في الممكنات التي هي المخلوقات فهو منه، [وهو](١) من الممتنع أن يكون فاعل الكمال (٢) ومبدعه عاريًا منه، بل هو أحق به، والله تعالى له المثل الأعلى، ولا يستوى هو والمخلوق في قياس تمثيلي، ولا في قياس شمولي، بل كل ما ثبت للمخلوق من كمال، فالخالق أولى به وأحق، وكل نقص تنزه عنه مخلوق ما، فتنزه الخالق عنه أولى.
قال ابن القيم:
وكَمالُ مَنْ أعطى الكمال بنَفْسِهِ … أَوْلَى وأجدر عند ذي العرفان (٣) …