[نفي التشبيه والتمثيل والتأويل والتعطيل عن صفات الله تعالى]
اعلم أن المنتسبين إلى الإسلام على ثلاثة أقسام؛ قسم نفوا بعض صفات الله تعالى أو كلها، فالمتفلسفون نفوا الصفات كلها إلا الوجود، وزعموا أنهم بذلك نزهوا الله تعالى عن مشابهة مخلوقاته. والجهمية ومن سلك طريقهم حكموا عقولهم الفاسدة في صفات الله تعالى فأثبتوا بعض الصفات ونفوا بعضها، وزعموا أن ما نفوا منها فيه تشبيه وتمثيل كصفة العلو والاستواء التي تقدم بيانها، وصفة الكلام الذي هو عربي أو عبراني أو سرياني أو غير ذلك بحروف وأصوات، وتقديم وتأخير.
وقد تقدم الكلام فيه مستوفى، ورؤية المؤمنين ربهم بأبصارهم يوم القيامة يتجلى لهم ضاحكًا ويتنعمون برؤيته ويخاطبهم ويخاطبونه، وقد تقدم ذلك بغاية التحقيق، وينفون كذلك نزول الله إلى السماء الدنيا ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء، ومحبته لعباده المؤمنين ورضاه عنهم وبغضه للكافرين وغضبه عليهم وفرحه بتوبة عبده المؤمن وعجبه وضحكه .. إلى غير ذلك مما يزعمون أن فيه تشبيهًا، وسبب ضلالهم أنهم لم يفهموا من الفوقية والنزول والقرب والمحبة والبغض والرضى والسخط والفرح والضحك إلا ما يتصف به المخلوق من ذلك، ولو أنهم اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله وأهل القرون المفضلة لعلموا أن ذات الله لا تشبه الذوات، فكذلك صفاته لا تشبه الصفات، وهم يعترفون أن الله علمًا وقدرة وإرادة، وللمخلوقين علم وقدرة وإرادة، ولكن شتان ما بين علم الله وعلم المخلوق، وشتان ما بين قدرة الله وقدرة المخلوق، وشتان ما بين إرادة الله وإرادة المخلوق، وشتان ما بين حياة الله وحياة المخلوق.