قال ﵀: يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد (١)، ومنه آيات أُخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن ردّ ما اشتبه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس، ولهذا قال تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئًا آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد، وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه، فروي عن السلف عبارات كثيرة:
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: «المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وأحكامه ما يؤمر به (٢) ويعمل به»، وعن ابن عباس أيضًا أنه قال: المحكمات قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] والآيات بعدها، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى ثلاث آيات بعدها ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أحد من الناس». (٢) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وحدوده وفرائضه وما يؤمر به».