أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما (١) يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ (٢) لهم وحجة عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو (٣) حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وتركوا الاحتجاج بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خَلْق من مخلوقات الله، وعَبْد ورسول من رسل الله.
وقوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: تحريفه على ما يريدون (٤). وقال الإمام أحمد بسنده عن عائشة أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ فقال: «إذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله، فاحذروهم»(٥). وقال الإمام أحمد بسنده إلى أبي غالب قال: سمعت أبا أمامة يحدث عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال: هم الخوارج (٦)، وفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] قال: هم الخوارج (٧).
(١) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «كما»! (٢) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «دافع»! (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وهذا». (٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «يريدونه». (٥) أخرجه البخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٤٦٦٥)، وأحمد (٦/ ٤٨) من حديث عائشة، وانظر لزامًا -: «الاعتصام للشاطبي (١/ ٦٩ - بتحقيقي). (٦) أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٢)، وابن أبي حاتم في التفسير (٥ رقم ٨١٥٠)، والطبراني (٨٠٤٦)، ومحمد بن نصر المروزي في السنة» (٥٥)، والواحدي في «الوسيط» (١/ ٤٧٦)، والبيهقي (٨/ ١٨٨)، وعزاه في الدر المنثور (٨/ ٤٠٢) لابن مردويه والنحاس، وورد نحوه عنه في قصة مطولة خرجتها في تعليقي على «الاعتصام» للشاطبي (١/ ٧٢) وله شاهد من حديث ابن أبي أوفى خرجته مفصلًا في تعليقي على «الحنائيات» رقم (٢٢٥)، وهو بها صحيح إن شاء الله تعالى. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٣/ رقم ٣٩٥٠)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٧/ ٣٧٩)، والسهمي في تاريخ جرجان (ص ١٣٢ - ١٣٣)، واللالكائي في «السنة» (١/ ٧٢)